21‏/11‏/2025

حياتنا والأحداث

هل الأحداث تشكّل حياتنا؟ 

منذ لحظة ولادتنا والحياة تمطر علينا أحداثها، بعضها صغير يمرّ بخفة لا ننتبه إليه، وبعضها كبير يهزّ أعماقنا، ولا ندرك أثره إلا عندما نلتفت خلفنا فنرى كم تغيّرنا دون أن نشعر.

ومع مرور الأيام نظن أننا نصنع ذواتنا من الداخل وحدنا، بينما نغفل أن الأحداث كثيرًا ما تعيد تشكيلنا وتصنع فينا فروقًا عميقة.

ليس غريبًا أن ترى إنسانًا كان قبل حدثٍ ما شخصًا، وبعده بمدة يصبح شخصًا آخر تمامًا، فتتساءل: ما الذي غيّره؟

الجواب ببساطة: الأحداث صاغته.. حين اختار أن يتغير.

فالأحداث، بحزنها وسعادتها، بقسوتها ولطفها، تترك علامات واضحة في شخصياتنا، وتغيّر طريقة تفكيرنا وتعاطينا مع الحياة.

فمن تعرّض لصدمة خيانة من أقرب الناس إليه قد يفقد ثقته بالآخرين ويحمّل قلبه ثقل الحذر والريبة.

ومن فقد عزيزًا، قد يغيّره الألم حتى لا يعود ذاك الشخص الذي عرفه الجميع.

ومن عاش الحرب والدمار تتلبّسه القسوة ويغيب عنه معنى الأمان.

ومن نجا من مرضٍ طويل يفيض قلبه بالرحمة والتقدير للتفاصيل الصغيرة.

ومن عاش حادثًا كاد يودي بحياته يستيقظ فيه وعي جديد يذكّره أن الحياة أثمن من أن تُستهلك في الغضب والصراعات.

وآخر قد تسحقه خيبات الفشل فيستسلم لها حتى يصبح عبئًا على نفسه ومن حوله.

وعلى النقيض، هناك من يحوّل الأزمات المالية أو الضغوط اليومية إلى منصّة انطلاق، يصعد منها بقوة ليبلغ هدفه.

إن الأحداث لا تملك وحدها سلطة تشكيلنا؛ نحن من نمنحها هذه السلطة. فقد يمرّ عشرة أشخاص بالحدث ذاته، ويخرج كل واحد منهم بملامح نفسية مختلفة.

ما يصنع الفرق هو اختيارنا الداخلي: كيف نقرأ ما حدث؟ وكيف نعيد بناء أنفسنا بعده؟


وهكذا تصنع بنا الحياة حين نسمح لها، وتغيّر مسارنا حين نغفل عن الحقيقة:

أن كل ما يجري هو بمشيئة الله، وأن الأحداث مجرد أسباب… أما ما بعدها فهو نحن، وما نختار أن نكونه.

جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان