‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

06‏/09‏/2026

حديث المرايا


قلّما يمرّ يومٌ دون أن ننظر في المرآة، نتفقّد فيها سحنات وجوهنا، ننظر في أعيننا وشفاهنا وتقاسيمنا ووو…، ولكننا لا نعلم أنها هي الشاهد الصامت على علاقتنا بأنفسنا.

المرآة واحدة، وإن تعددت أشكالها، ولن تمنحك العديد من الوجوه المختلفة في كل مرة؛ لك وجه واحد تخرج به للناس، مهما حاولت أن تخفي بعضًا مما لا يعجبك فيه. أحيانًا تتحدث إلى المرآة بصوت داخلي لا يسمعه سواك، تودّ لو أعانتك على تعديل ما لا يعجبك، ولكن هل فكرت يومًا أن تستمع إلى حديث المرايا؟ لو تحدثت لنا المرايا، ماذا عساها أن تقول؟

ستتحدث بعمق وصدق ووضوح، دون مواربة أو مجاملة. المرآة أصدق من أي أحد يمكنه أن ينقل لك الحقيقة المغيّبة عنك بمحض إرادتك.

ستقول لك إن العمر يمضي، وإن الأيام تبصم لك على تفاصيل وجهك، وتضعك أمام نفسك: ماذا قدمت لها؟

المرآة لن تتحدث عن جمال عينيك وصفاء بشرتك ولمعان شعرك، بل ستتحدث بكل صدق وشفافية، فتقول لك إن عيوبك التي تخفيها ما كان لها أن تكبر لو واجهتها وعملت على تسويتها وتهذيبها.

ستقول لك المرآة: ليس من المهم أن تتفقد وجهك وما طرأ عليه، بل الأولى أن تنظر إلى قلبك بكل أمومة ممكنة، لترى ما أحدثت فيه من ندبات كنت في غنى عنها لو تعاملت بحكمة ورويّة.

ستقول لك المرآة: تخطئ حين تثق بي وأنا أعكس لك صورتك المحسّنة، وما حلّ بوجهك من تغيّر، من يثبت لك أن كل شيء إلى زوال، عدا قيمك؟ وتتناسى ما أشعرتك به بمقدار النضج الذي وصلت إليه، وإن قد آن الأوان لأن تهدئ من رتم تسارعك ومجاراة مُحدثات الأمور، حتى وإن لم تتوافق مع مبادئك.

ستقول المرآة: أنت لا تخشى التجاعيد حين تزحف إلى وجهك؛ فهذا أمر طبيعي، ولكنك تخاف نظرة الناس لك، وكأنك أنت، وبمحض إرادتك، من فعل ذلك بك.

ستقول لك المرآة بشفقة: لا تسألني كل صباح: كم بقي من جمالك؟ ولكن اسألني: كم بقي منك أنت؛ روحًا وعقلًا وإيمانًا؟

دع المرآة تعكس نظرتك إلى نفسك، وليس فقط صورتك. انظر لها بعمق ونضج.

المرايا، حتى وإن اختلفت أشكالها وأماكنها، حديثها واحد لا يتغير؛ لن تقلب صورتك أبدًا، ولن تجمّلها أو تعبث في تفاصيلك فسادًا. أنت هو أنت. كن صادقًا مع نفسك كما تصدق معك المرآة، وتحدث إليها أنت وكأنك تتحدث إلى نفسك، ودعها تعكس جمال روحك وعمقك ونضجك، دون خوف مما فعلته الأيام بك.


24‏/08‏/2026

اكتشاف متأخر

 لعل الكثير منا يتعجل في رؤية نتائج كل ما يقوم به، وهو الذي تأخر كثيرًا في اكتشاف ما لديه من كمّ هائل من (طرق التعامل مع الحياة والناس، المهارات، المفردات، الأفكار المنطقية والقابلة للتطبيق، القناعات التي يمكن أن تتبدل… وغير ذلك).

إذ إن الإنسان لا يتأخر في تعلم مهارة، ولكنه يتأخر في اكتشاف تلك المهارة، وأن لديه القدرة على صقلها وتطويرها وتطويعها أيضًا. ولا يعني هذا أن نندم على تأخرنا في الاكتشاف، فربما لم يحن الوقت لذلك، ولا يجب أن تتوقف سويعاتنا البيولوجية عن الاكتشاف والبحث والتطوير.

نعم، هناك أشياء كثيرة كان يجب أن نتعلمها مبكرًا، نتأخر كثيرًا في اكتشافها، وبعد فوات الأوان تبدو لنا كالمستحيل، ونحن من فرّط في إمكانية تحقيقه وتجسيده واقعًا ملموسًا؛ كأن نغفل عن أننا نمتلك القدرة على كتابة نص استثنائي، أو رسم لوحة مذهلة، أو حفظ عدة أجزاء من القرآن، أو حتى العمل على صقل مهارة مهملة تغفو في الجانب المظلم من الإهمال أو الخجل، وقد نتجاهل مقدرتنا على اكتشاف استطاعتنا على خلع جلابيب التبعية والانقياد لمن لا تتفق أفكارنا معه.

الحياة بتقلباتها، والأيام بتحولاتها، تضخ لنا الكثير مما نتعلمه، ولكن هناك الكثير والكثير من الأشياء التي تأخرنا جدًا في اكتشافها وتعلمها كقيمة أو مهارة؛ كأن نتعلم كيف نتجاوز ماضيًا مؤلمًا وقاسيًا، أو كيف لنا أن نتعايش مع الآخرين دون أن نهلك أنفسنا في محاولة إرضاء المتعجرف منهم، أو حتى أن نقتنع بأن ممارسة الرياضة المناسبة وقاية وليست رفاهية أو بذخًا، وأيضًا أن ما نخسره على مظهر زائف لا بد أن يسحب منا قيمة معنوية مع القيمة المادية، وأنه قد نقع في فخ كنا نعتقده فرصة سانحة، وغير ذلك.

إذن، تأخرنا في التعلم والاكتشاف له ثمن باهظ يستقطع من مكاسبنا الحياتية وقيمنا التي نؤمن بها، ثم إن الأهم من ذلك، وبعد اكتشافنا المتأخر، ماذا نفعل بعد الاكتشاف؟ إذ إنه من المستحيل أن نعود للأمس لنختار كيف نعيش اليوم، ونتصالح مع واقعنا بما يليق به.

11‏/08‏/2026

اعتياد النعم


لم يُخلق الإنسان طمّاعًا جشعًا، لكنها طباع مكتسبة قد تنمو وتكبر معه حتى تصبح سمةً تميّزه، وقد يكتشف يومًا أنها لا تليق به، فيجتهد في التخلص منها واستبدالها بالرضا والقناعة.

ولعل ما يُسهم في تضخّم هذه الطباع اعتياد النعم أكثر مما ينبغي؛ فما عادت تدهشنا الأشياء الجميلة، ولا حتى التفاصيل الصغيرة التي كانت في وقتٍ ما مصدرًا لفرحنا وامتناننا.

لقد أفقدنا اعتياد النعم استشعار قيمتها، فلم نعد نخشى زوالها، وكأنها أمرٌ مسلّم به، لا منحة تستحق الشكر. بل أصبح بعضنا يراها كما يراها الجاهلون: عاداتٍ وتقاليد، فيسيء استخدامها بعد أن ألِف وجودها.

فصاحب المنصب قد يظن أن منصبه يمنحه الحق في إذلال الآخرين، متناسيًا أن المنصب لو دام لغيره ما وصل إليه.

والبعض يغفل أن الصحة لا تدوم، فيُلقي بنفسه إلى مهالك الإسراف في كل شيء.

وهناك من يستهلك فراغه في اللهو واللعب، دون وعي بقيمة الوقت، وكأن الغد مضمون، متناسيًا أن الفراغ نفسه نعمة قد لا تتكرر.

ومن اعتاد الأمن والأمان قد لا يدرك أن معه في هذا الكوكب آخرين يتمنون لو يبيتون ليلة واحدة هانئة، بلا خوف أو وجل.

حتى كلمات الحب والامتنان والاعتذار اعتدنا تأجيلها، حتى تأتي الأيام بمفاجآتها المؤلمة، فنحنّ إلى لحظة تمنّينا فيها لو أننا قلنا لمن يستحقها ما كان ينبغي ألّا نؤجله.

لسنا نعاني قلة النعم أو ندرتها، ولكننا وبكل مرارة اعتدناها حتى فقدت وهجها وبريقها في أعيننا وقلوبنا، فلا نعرف قيمتها إلا حين نفقدها.

هي بين أيدينا الآن؛ فلننظر إليها وكأننا نراها للمرة الأولى، ولنحذر أن يفسدنا اعتيادها وكثرتها، فنفقد معها لذّة شكرها، ونعمة دوامها.


03‏/08‏/2026

ما يُحدث الفرق


قد يعتقد البعض أننا بحاجة إلى أن نفعل شيئًا لنتغير، ونغيّر بعض أفكارنا وقناعاتنا وما كنا نؤمن به، ولكن هناك أشياء تحدث دون سعيٍ منا، فتُحدث الفرق في أنفسنا وأفكارنا، وأحيانًا في المسار الذي كنا نخطط لحياتنا.

قد يأتي التغيير الذي ننشده، أو حتى الذي لا نرغبه، بأبسط الصور؛ كلمة، أو موقف، أو خيبة أمل، أو كتاب، أو انتظار طويل، ليعيد تشكيل شخصياتنا من جديد.

فهذه الأحداث التي تفرضها الأيام والسنوات هي التي من شأنها أن تُسيّر دفة أفكارنا، وتمحو كثيرًا مما كنا نراه الأفضل، وتستبدله بما لم نكن نتوقعه، أو حتى نرغب فيه.

إذ إن أسباب حدوث الفرق قد تأتي في صور متعددة، وغالبًا ما تحدث بلا قرار قوي اتُّخذ مسبقًا، ولا خطة أُعدّت تنتظر التنفيذ. فما كنت تراه يومًا مثالًا لا يمكن المساس به، قد يصبح أثرًا من الماضي، فتلتفت إليه بعد حين، فتراه ذكرى قد تضحكك، وقد تبكيك.

إن الأحداث الصغيرة التي تقع خلال يومك هي نقاط تحول في حياتك دون أن تدرك. وقد تكون الفاصل بين ما كنت تريده، وما أصبحت عليه الآن. فكثيرٌ منا يرسم طريقًا لحياته، ويتمنى أن يسير عليه ليصل إلى مبتغاه، ثم يأتي حدث واحد يغيّر اتجاه ذلك الطريق، فيتبدل مسار الحياة بأكمله، ليكتشف الإنسان أن ما حدث، وما كان يظنه عشوائيًا، كان هو الأصلح له.

ثم إن الأحداث تتكرر مع كثير من الناس، وتتشابه في تفاصيلها، لكنها تختلف في أثرها، وفي قدرة كل شخص على التعامل معها، وتطويعها، والاستفادة منها، بدلًا من محاولة عكس اتجاهها، والإصرار على الاستمرار في الطريق نفسه، حتى وإن كانت نتائجه النهائية قد خذلته.

وفي الحقيقة، هناك كلمة لا يتذكرها قائلها، فلا يلقي لها بالًا، لكنها غيّرت عمرًا كاملًا، وبدّلت قناعةً متجذرة في الأعماق. وهناك خيبة مؤطرة بالآلام والأوجاع، ظنناها نهاية، فإذا بها بداية مختلفة صبغت أيامنا بالجمال. وهناك انتظار طويل تذمرنا منه، لكنه علّمنا ما لم تعلمنا إياه السنوات السريعة. وهناك كتاب طوينا صفحاته، لكنه فتح في داخلنا أبوابًا لم نكن نعلم بوجودها، وغير ذلك الكثير مما يمكنه أن يُحدث الفرق في حياتنا.

ولعل أجمل ما نتعلمه مع الأيام أن الفرق الذي يحدث معنا لا تصنعه الأحداث الكبيرة وحدها، بل قد تصنعه كلمة عابرة، أو انتظار طال، أو خيبة أيقظت فينا ما كان نائمًا. وما علينا إلا أن نمتلك الوعي الكافي لالتقاط أثر تلك اللحظات؛ لأنها قد تكون البداية التي لم نكن نبحث عنها، لكنها كانت الطريق الذي احتجناه فعلًا.

ويبقى علينا أن نتحلى بالوعي تجاه ما ينبغي أن نفعله حيال كل موقف عابر، أو كلمة تستقر في قلوبنا قبل آذاننا، أو لحظات انتظار لم نلتفت إليها وهي تنتقص من أعمارنا؛ فكل ذلك هو ما يحدث الفرق. 


20‏/07‏/2026

حقٌّ للنفس لا يُؤجَّل

السعادة لا تأتيك على أجنحة حريرية، ولا يحملها إليك أحد، ولن يسعى الآخرون إلى منحك إياها ما لم تسعَ أنت إلى إسعاد نفسك، وتمنحها المساحات التي تصنعها بيديك. فالكل منشغل بنفسه، وقد يشاركك سعادتك، لكنه ليس مسؤولًا عن صناعتها لك.

لذلك، لا تنتظر أحدًا أن يؤجل فرحه ليسعدك، ولا أن يجعل من كتفه متكأً تستند إليه كلما مالت بك الأيام أو خبا الضياء في عينيك. فأنت وحدك من يعرف احتياجك  ، وأنت الأقدر على كسر القيود التي تحول بين قلبك وبين السعادة.

وليس في ذلك أنانية، بل هو استيقاظ في الوقت المناسب من غيبوبة العطاء حد الهلاك.

كما أنه ليس تمردًا على قيم البذل والإيثار، فهي من أنبل القيم حين توضع في مواضعها، وتُمنح لمن يستحقها. أما الإفراط في العطاء، فيجعل بعض الناس يتشبعون بفكرة الاستحقاق، فيرون ما تقدمه حقًا مكتسبًا، ويستنكرون التفاتك إلى حق نفسك.

ومن الحكمة أن يتحقق التوازن بين العطاء والاعتناء بالنفس؛ فالعطاء بلا حدود لا يرهق صاحبه فحسب، بل قد يضعف في نفوس الآخرين قيمة الإحسان، ويغيب عنهم الشعور بالشكر والامتنان. أما العطاء الواعي، فإنه يحفظ العلاقة، ويعزز الاحترام المتبادل، ويحمي النفس من الضغوط والاستنزاف.

ولا يعني ذلك أن تجفف أنهار العطاء، أو تنغلق على حب الذات، وإنما تذكّر دائمًا أن لنفسك عليك حقًا. فإهمال الذات إرضاءً للآخرين ليس فضيلة، كما أن تضخم حب الذات حتى يطغى على حقوق الآخرين ليس من المروءة. وإنما الفضيلة في الاعتدال؛ أن تعطي بوعي، وتعتني بنفسك دون تقصير في حق غيرك.

إنها دعوة للتوازن في البذل ؛ فلا إفراط ولا تفريط. فالسعادة لا يحملها إليك أحد، ولا تأتي هدية من الآخرين، وإنما تبدأ حين تمنح نفسك حقها من العناية والراحة، وتصنع لها مساحاتها الخاصة.

اعتنِ بنفسك، فإن لنفسك عليك حقًا، وحقُّ النفس لا يُؤجَّل.

12‏/07‏/2026

متلازمة التكديس

اعتاد بعض الناس على الاحتفاظ بمقتنياتهم الشخصية أو أغراض منازلهم، حتى وإن انتفت حاجتهم إليها، وتقوم فلسفتهم على عبارة: “قد أحتاجها يومًا ما.” حتى إن بعض الأشياء بقيت في منازلنا عشرات السنين، ولم نستطع التخلص منها، ليس لأنها قيمة أو ثمينة، بل لأننا لم نمتلك الشجاعة لاتخاذ قرار الاستغناء عنها.

وقد يفسر البعض هذه الفلسفة بأنها خوف من المستقبل أكثر من كونها حاجة حقيقية، وهي بلا شك تشغل حيزًا من العقل، وليس فقط حيزًا من فراغ منازلنا، فنحتاج إلى كثير من الجهد والوقت والتفكير في كيفية ترتيبها وتنظيمها. كما أن الاحتفاظ بالقديم قد يقتل فينا متعة التجديد والبحث عن الجديد، بسبب امتلاء المكان بما هو قديم، فيقف حجر عثرة أمام دخول الجديد.

هذه الظاهرة، التي يشترك فيها أغلب الناس بدرجات متفاوتة، تبدو وكأنها حالة يطلق عليها متلازمة التكديس.

ولا يقتصر التكديس على الأثاث والأشياء الشخصية فحسب، بل يمتد إلى الذكريات أيضًا؛ فالبعض يحتفظ بالقلم، والوردة، وقصاصة الورق، والهدايا، والرسائل، ليس لأنها ثمينة في ذاتها، بل خوفًا من فقدان الشعور المرتبط بها.

ونرى مظاهر متلازمة التكديس كثيرًا في حياتنا اليومية، فمنها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ تكديس الملابس، والملفات في الهاتف، والصور التي لن نشاهدها إلا نادرًا، والتطبيقات التي لا نحتاجها، والكتب التي لم نقرأها، وربما لن نقرأها. كما نكدس العلاقات التي انتهت صلاحيتها، والمواعيد، والالتزامات، والعتاب، والمواقف القديمة، ولا نسمح لها بالرحيل.

دعونا نتفق على أن الاحتفاظ بالحاجات الضرورية التي نعود لاستخدامها بين حين وآخر أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي أن نكدس ما لا نحتاج إليه بحجة: “قد” أو “ربما” نحتاجه. حتى أصبحت كلمة “ربما” أشبه بمستودع نبرر به كل ما نعجز عن التخلي عنه.

ويلجأ بعض الناس إلى شراء خزائن أكبر، في محاولة لحل مشكلة التكديس، متجاهلين أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في ضيق المساحة، بل في القدرة على اتخاذ قرار بالتخلص من الفائض.

وربما ليست المشكلة في ضيق المساحات لدينا، بل في اتساع دائرة الخوف والقلق من الفقد، فنلجأ إلى التكديس.

جميل أن نحتفظ ببعض المقتنيات الثمينة أو العزيزة جدًا على قلوبنا، من باب الحب والتقدير، لكن أن يمتد هذا التقدير إلى كل ما تقع عليه أيدينا من أثاث، أو معدات، أو مقتنيات شخصية، فذلك أمر يستحق أن نتوقف عنده؛ إذ ليس الغنى أن نملك أشياء أكثر، بل أن نحتاج إلى أشياء أقل، وأكثر نفعًا.

29‏/06‏/2026

قبل أن تستغني

 هل كتبت أحلامك التي ترغب في تحقيقها؟ وهل لديك أولويات تسعى إلى إنجازها لتراها رأي العين ماثلة أمامك؟ أغلبنا كذلك، ولكن لماذا أصبح البعض يتخلى عن الأشخاص، أو الأشياء، أو حتى الأحلام، بمجرد ظهور أول صعوبة؟

هل أصبح الصبر قيمةً تتراجع في المجتمع الحديث؟ ولماذا لم تعد لدينا القدرة على الاستمرار ومواجهة التحديات، واكتفينا بالاستغناء السريع حتى لا تتوقف عجلة رحلاتنا المتسارعة في البحث عن بدائل أفضل قد لا تأتي؟

لقد أصبح الصبر قيمةً نقرأ عنها بين دفات الكتب، هذا إن قرأنا، أما تطبيقها واقعًا فقلّما نجد من يلتزم بها. وليس من الحكمة، ولا من بُعد النظر، استعجال النتائج؛ فكل شيء يحتاج إلى صبر، وتأنٍ، ووقت ليكتمل. فالقمر يبدأ هلالًا، ثم يستكمل دورته حتى يصبح بدرًا، والبذرة تحتاج إلى وقت حتى تنبت، ثم تزهر وتثمر. هكذا تمضي سنن الحياة، وما عدا ذلك فتعجل غير محمود.

قد يكون للاستغناء السريع ما يبرره عند البعض؛ كأن يجد المرء بدائل يظنها أفضل، أو يعجز عن مواصلة الطريق لضعف إرادته، أو يستسلم لواقع لا يحفزه، أو يخشى الفشل فينسحب مبكرًا. غير أن هذا التسرع قد يكلفه الكثير؛ فقد يتخلى عن هدف كان قادرًا على تحقيقه لو منح نفسه مزيدًا من الوقت والصبر، أو يفقد علاقة كان يمكن أن تنضج مع الأيام، أو يهمل موهبة لا تُصقل إلا بدوام الممارسة.

أما الاعتقاد بأن كل ما يستحق البقاء يجب أن يكون سهلًا وميسرًا، فهو اعتقاد غير واقعي؛ فالحياة كفاح، ومجاهدة، وصبر.

امنحوا أنفسكم قوة التحمل والثبات، لا صبرًا أعمى على كل شيء مهما كانت نتائجه؛ فبعض القرارات تستدعي الحسم إذا استحال التعايش معها، أو أصبح تحقيقها متعذرًا. لكن ذلك يختلف عن الاستغناء السريع الذي يأتي قبل أن تأخذ الأمور فرصتها الكافية.

ويكفي الصبر شرفًا أن يرد ذكره في كتاب الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.

وأخيرًا، قد تكون نتائج الاستغناء السريع غير المدروس باهظة الثمن؛ لأن بعض ما نفقده على عجل لا تمنحنا الحياة فرصة لاستعادته مرة أخرى.

فالصبر ليس مجرد فضيلة، بل هو القدرة على منح الأشياء حقها من الوقت، قبل أن نحكم عليها بالفقد.


22‏/06‏/2026

أثر لا تصنعه الأضواء

كم من إنسان أسهم في تشكيل ملامح حياتنا ثم مضى بصمت، فلم ندرك عمق أثره إلا بعد غيابه؟
في مسيرة العمر تمر بنا وجوه كثيرة، بعضها يعبر كأنه طيف عابر لا يلفت الانتباه. غير أن الأيام تكشف لنا أن بعض أولئك العابرين تركوا في أرواحنا بصمات لا تمحى، وغرسوا في أعماقنا قيماً ومشاعر وأفكاراً أصبحت جزءاً من تكويننا الإنساني. وحين تستدعي الذاكرة مواقفهم، ندرك أن مرورهم لم يكن عابرًا كما ظننا، بل كان حضورًا ممتدًا في تفاصيل حياتنا.
هؤلاء لا يلتفتون خلفهم بحثًا عن كلمات الشكر، ولا يقفون مترقبين لرد الجميل. اختاروا أن يعيشوا بعيدًا عن الأضواء، لأن غايتهم كانت أسمى من التصفيق وأبقى من الثناء. يمنحون لأن العطاء جزء من طبيعتهم، ويبذلون لأن الخير يسكن قلوبهم، لا لأنهم ينتظرون مقابلاً أو مكافأة.
الأم واحدة من أعظم هؤلاء. تمنح من عمرها وصحتها وراحتها حتى يصبح عطاؤها في نظر أبنائها أمرًا مألوفًا، فلا يدركون حجمه الحقيقي إلا حين يفتقدون دفء وجودها.
ويأتي الأب في الصورة ذاتها؛ يبذل جهده وعمره ليمنح أبناءه فرصًا أوسع للحياة، مكتفيًا بأن يرى نجاحهم ثمرةً لما قدمه من عطاء.
ثم يأتي المعلم المخلص، الذي قد تصنع كلمة منه ثقة، أو تغير نصيحة صادقة منه مسار حياة كاملة، أو تغرس قيمة تبقى راسخة في الوجدان لسنوات طويلة.
وكذلك الصديق الوفي، الذي يمنح حضوره وقت الحاجة، ويقتسم الألم قبل الفرح، ويترك في الذاكرة أثرًا يبقى حيًا كلما مرت بنا مواقف أو ذكريات تستحضره.
ولا يقتصر الأمر على هؤلاء وحدهم؛ فبيننا أشخاص يؤدون أدوارًا عظيمة في حياتنا اليومية دون أن تتجه إليهم الأنظار. يسهمون في صناعة الراحة والنظام والجمال من حولنا، بينما تبقى أسماؤهم بعيدة عن قوائم الشهرة ومقاعد الاحتفاء.
إنهم جميعًا قناديل تضيء الطريق للآخرين وهي في الظل. لا تستمد قيمتها من الأضواء المسلطة عليها، بل من النور الذي تبثه في حياة من حولها، ومن الأثر الذي تتركه في النفوس.
والمؤلم أننا كثيرًا ما نعتاد وجود هؤلاء حتى نظن أن ما يقدمونه أمرٌ معتاد، فنغفل عن تقديرهم، ونتأخر في الالتفات إلى مكانتهم، حتى يفاجئنا الغياب، فنكتشف حجم الفراغ الذي تركوه، وندرك أن أجمل النعم كانت أقرب إلينا مما كنا نظن.
لذلك فإن الأثر لا يُقاس بمقدار الظهور، ولا تُصنع القيمة بكثرة الأضواء. فليس كل من يقف في دائرة الضوء صاحب أثر، وإنما أصحاب الأثر الحقيقيون هم أولئك الذين يقفون في الظل ويضيئون حياة الآخرين.

14‏/06‏/2026

الإرادة المسلوبة

دعونا نقوم بتشخيصٍ دقيقٍ جدًا لما آلت إليه حال المجتمعات اليوم. فبنظرةٍ فاحصة، لم تعد المجتمعات كما كانت قبل عقدين من الزمان من حيث العلاقات الاجتماعية؛ إذ كانت فيما مضى أشدَّ أواصر وأقوى روابط، وأمضى من حدِّ السيف في الحفاظ على القيم الإنسانية الجميلة.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي داهمتنا بقضِّها وقضيضها، وأصبحت المتحكم الرئيس في المشهد، يسندها في ذلك ضعفٌ في تقدير القيم الدينية والإنسانية والمجتمعية. وأصبحنا نكتفي برسالةٍ باردةٍ للمشاركة الوجدانية في مناسباتنا السعيدة منها والحزينة، وفرضت علينا أحرف الرسائل بمختلف أنواعها واقعًا غريبًا؛ إذ نستلم الرسالة ونبدأ في تحليل حروفها دون أي اعتبارٍ لحال مرسلها أو مقصوده.

فالتبس علينا المعنى وتفسيره، وكم من رسالةٍ تئن تحت مقصودٍ لم يُفهم، ومفهومٍ لم يُقصد، فتسببت في قطيعةٍ أو خلافٍ أو فتورٍ في أعمق العلاقات.

حتى أوقاتنا وهي أعز ما نملك، سُرقت منا برضانا، وبقدرٍ كبيرٍ من التقدير لذلك اللص الذي يعيش بيننا معززًا مكرمًا، بل وسلب منا إرادتنا للمقاومة بموافقتنا وترحيبنا!

كيف نتجنب هذا المنزلق التقني الخطير الذي نتجه إليه بسرعةٍ عجيبة؟ وهل نتوقع أن يأتي ما هو أشد وأصعب مما نحن عليه الآن؟ ألا ترون أن وسائل التواصل تتسابق للسيطرة على عقولنا؟ أين المخرج؟ وكيف سيكون حال أطفالنا في المستقبل؟

أسئلةٌ نخشى أن نطرحها، بل ونتجنب البحث عن إجاباتٍ شافيةٍ لها وحتى تلك المحاولات الخجولة من البعض قد لا تنجح مع مرور الوقت ما دام المجتمع لا يعينها ولا يدعم توجهها نحو النجاح.

لقد أصبحت مجتمعاتنا، وللأسف، أسيرةً لوسائل التواصل، وسُلبت منها الإرادة للمقاومة. فهل سيكون هناك بصيص أمل، أو ضوءٌ خافت في نهاية النفق الذي دخلناه بمحض إرادتنا، وصرنا نتصادم في ظلامه ونضحك بمرارةٍ على خيباتنا؟

إن مفاتيح عقولنا وقلوبنا لا تزال في أيدينا، وكل ما نحتاج إليه هو أن نسترد إرادتنا، ونعيد ترتيب أولوياتنا، وندرب أنفسنا على رفض هذه القيود والتمرد عليها. فالعلاج يكمن في إرادةٍ حديديةٍ نسترد بها زمام أمرنا، من داخل ذواتنا أولًا، ثم بمساندة أقرب الناس إلينا.

ويجب أن تكون هناك ضوابط وحدود واضحة لا نقبل التهاون فيها، لكل ما من شأنه الحد من تسلل الضعف إلى نفوسنا في مواجهة اجتياح أضرار وسائل التواصل. وعندها فقط يمكن أن نعود إلى حياتنا بما فيها من حميميةٍ وبساطةٍ وإيجابية، وألا نكتفي بالبكاء على اللبن المسكوب.

01‏/04‏/2026

الحنين إلى النفس القديمة

في جلسة هدوءٍ واسترخاء، يتبادر إلى الذهن تساؤل عميق:

هل أتوق إلى نفسي القديمة؟

تلك المرحلة العمرية الفائتة، التي لا تزال نسخةٌ منها تمرّ في ذاكرتي مرّ السحاب، خفيفةً وسريعةً، ومثقلةً بالذكريات. تتباين فيها المشاعر بين بساطةٍ وبراءةٍ موغلةٍ في التلقائية، لا يسكن في قلبها الخوف ولا الفزع من المستقبل.

كان تفكيرها منصبًّا على اللعب واللهو، وملامحها بريئة، لا يعنيها العالم بأسره، إذ تراه زاهيًا بألوان الطيف.

الحنين إلى النسخة الأولى يأتي حين تكسرنا الأيام بضغوطاتها المتلاحقة، وحين نفتقد أحلامنا، وأماكننا التي نشأنا فيها، وعلاقاتنا، وشعورنا بالأمان.

ويشتدّ هذا الحنين مع الخوف من المستقبل، والتغيّر المتسارع الذي يكاد يفقد الأشياء طبيعتها.

فهل كانت سنوات الطفولة هي الأجمل والأكثر نقاءً؟

وهل كانت أكثر سعادةً وقناعةً بما لديها، حتى وإن كانت الأشياء بسيطة؟

أم أن ذكرياتنا تُجمّل لنا الماضي ليبدو أكثر جمالًا من الحاضر؟

وهل الحنين إلى النفس القديمة حنينٌ حقيقي، أم هو مجرد شعورٍ عابر لا يمثل حقيقةً ثابتة؟

يرى أغلبنا أن الحنين حقيقةٌ لا شعور عابر، حين يستيقظ في مواقف بسيطة:

كزيارة بيت الطفولة، أو سماع صوتٍ ارتبط جماله بالذاكرة، أو رؤية شخصٍ غاب عنا طويلًا، أو حتى العبور في طرقاتٍ شهدت ما كنا نعدّه مغامراتٍ وبطولاتٍ طفولية بريئة.

كل ذلك يعيدنا قسرًا إلى النسخة القديمة من ذواتنا، فيتلقّفنا الحنين،

ويبدأ معه صراعٌ داخلي بين الرغبة في العودة لما مضى—رغم استحالته— وبين الألم لفقدان ما نراه جزءًا لا يتجزأ منا:

عفويتنا، وبراءتنا.

وما نلبث بعدها إلا أن نعود إلى واقعنا، لنطرح السؤال:

هل كان تغيّري للأفضل أم للأسوأ؟

وهل هذه مرحلة النضج، أم أنني أضعت ما كنت عليه من نقاء؟

إن الحنين إلى النفس القديمة لا يأتي عبثًا، بل حين تثقلنا الأيام بضغوطها، ونفتقد أحلامنا الأولى،

وأماكن نشأتنا، وكل ما كان يمنحنا شعور الأمان.

الحنين إلى النفس القديمة حقٌّ مشروع، فهو احتفاظٌ بالنسخة الأصلية منك بكل تفاصيلها، حتى وإن استسلمت للتغيير.

فالفطرة السليمة يجب أن تبقى، ولا يعيبك أبدًا حنينك إلى نفسك الأولى… فهي الأصل.

10‏/12‏/2025

ثقافة الهدوء

ممارسة الهدوء مهارة وسلوك واعٍ، وليست حالة نفسية عابرة أو طبعًا ثابتًا لا يتغيّر. فالضجيج والهدوء خطان متوازيان في حياتنا؛ بين من تستفزّه الأجواء الصاخبة، ومن يعشق الهدوء الذي قد يمتد إلى صمتٍ يراقب من بعيد. ولا يعني ذلك أن صاحب الهدوء أقل تأثيرًا أو حضورًا، فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بالضجيج، بل بما يقدّمه الإنسان بثبات واتزان ووقار.

الهدوء ليس سلبية ولا استسلامًا، بل هو مستوى عالٍ من الوعي والإدراك، وقدرة على تقدير المواقف وتمييز ما يستحق التفاعل مما يمكن تجاوزه. وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتزاحم المعلومات من كل اتجاه، نحتاج - أكثر من أي وقت مضى - إلى الهدوء الإيجابي الذي يحفظ توازننا النفسي، ويصون تركيزنا، ويعيننا على اتخاذ قرارات صائبة وناضجة، ويرتقي بطريقة إدارتنا للحوار. فالتعامل بروية وهدوء دليل احترام للخصوصية، وبعد عن التسرع، وارتفاع في مستوى الإصغاء، وهو ما يخفف من سوء الفهم ويزيد الثقة بالنفس، فضلًا عن مكاسب عقلية وجسدية كثيرة.

كثيرون يعانون من الضجيج، سواء داخل الأسرة أو على مستوى المجتمع بما تموج به وسائل التواصل من معلومات متضاربة وإشاعات. وهنا تبرز الحاجة إلى تعلم مهارات الاستماع والتأمل، وترويض النفس على الصبر وضبط الانفعالات، وتعزيز قيمة الوقار والسكينة، وتخصيص أوقات للعزلة الحميدة لممارسة أنشطة بسيطة كالقراءة أو المشي.

وأخيرًا… جرّبوا أن تعيدوا ترتيب أنفسكم من الداخل، وأن تمنحوها مساحات من الهدوء والسكينة والتأمل. ففي داخل كلٍ منا ضوء لا يكتمل إشراقه إلا حين نمنحه فرصة للصمت والراحة.

14‏/06‏/2020

أمي والعيد




رابط الموضوع في صحيفة الرأي الإلكترونية..


https://alraynews.net/articles/6507174.htm



في كل عام كانت أمي تعد للعيد قبل أن يحط رحاله الزاهية في زوايا القلوب والأمكنة كانت أمي تخط عنوانه الباذخ بالجمال أرقا يبدو في عينيها .. نراه نحن تعبا وتراه هي أمومة وحب و فرح .
هذا العام يأتي العيد وقد استبدل جلبابه الفضفاض الموشح بالفرح بجلباب آخر لا يشبهه مطرز بكثير من شوق وحنين لِما كان في سالف الزمان ويخالطه خوف وقلق لما سيكون ..

أمي تسأل عن غياب الأحبة : أين هم ؟
تسأل عن مظاهر العيد واستعدادات العيد وتختنق الحروف وتموت الإجابة أعدك يا أمي لن يكون العيد بلا ألوان ولا ورود ولا ابتسامات ولا لُعَبْ أطفال .. أعدك يا أمي أن نتناسى وجع الفراق ونبتسم كما كنا وكنتِ ..
سنجعل دموع الفرح الموسمية وأصوات المهنئين حتى وإن كانت تعبر الأثير تقصر بها المسافات وتختزل ألم الفراق بوشوشة حنونة في آذاننا...
العيد يا أمي يأتي في ظرف إستثنائي ويقيننا يا أمي يقوى، وعزيمتنا تشتد، وآمالنا تتمدد أن نلتقي ونفرح ونسعد ولو بعد حين.

لم نحرم يا أمي الدعاء ولم نحرم من جنة البيوت الأنيقة بمن فيها من آباء وأخوة وابناء وبنات.
ولم نحرم يا أمي الأماني تنبت في قلوبنا وتكبر السعادة نحن من يصنعها يا أمي.
لا تغلبك الدموع يا أمي ابتسمي كما كنت تبتسمين ودموع الفرح بلقاء الأحبة تترقرق في مقلتيك فلا زلنا نسير بأرواحنا أحياء وتسبقنا قلوبنا لعناقهم، ابتسمي يا أمي ودعيني أشم رائحة الحنا في كفك فأزداد عشقا لكل ماض يقربني إليك فالعيد أن أسمع صوتك ولسانك العذب يبتهل بالدعاء، صباح العيد يا أمي سنلتقي دعاء وتهاني .. سنلتقي فرحا ... سنلتقي وقد صنعنا ذكريات لا تنسى .. سنلتقي ونحكي للصغار كيف تجاوزنا الخوف واحتفينا بالزائر السنوي عمقا وروحا وتقاسمنا الفرح به مع القريب والبعيد سنحتفي بالعيد يا أمي وقد أتممنا الصيام بروحانية عجيبة طال فيها الفراغ وزادت فيها العبادات

سنحتفي ونحن نتحلق حولك كما كنا صغارا تبهرنا الحكايا وتبهجنا الحلوى لا تحزني يا أمي وإن غاب البعض بالجسد فهو يقيم في القلب لا يغيب، العيد يا أمي أن يجمعنا قلبك الحنون كالوطن حين ضحى بالنفيس اليوم لنجتمع غدا ..
سنكون بخير يأمي سنكون بخير .. كل عام والأحبة بخير ..

كُنْ سُكّرًا



رابط الموضوع في صحيفة الرأي الإلكترونية..



في جنوب أفريقيا مثل يقول :
( لا تطلب من الملح أن يكون سكرًا )
بالتأكيد الأمر ليس موجها للملح بقدر ماهو تنبيه لك أنت ولها وله ولنا جميعا، أن لا نطلب بتغيير الطباع والسلوكيات في غمضة عين..!
فالمثل العربي عندنا يقول :
( الطبع يغلب التطبع )
قد يتبادر إلى أذهاننا أنه مهما حاول شخص ما أن يغير طباعه فلن يستطيع، فطبعه الأصل يغلب تطبعه المكتسب !
نعم ليس بالأمر الهين أن يغير الإنسان طباعه وسلوكه بالسرعة التي نتوقعها منه، ولكنه ليس مستحيلا ..
أنت إنسان طيب جدا ولطيف جدا ليس سهلا أن نجدك بين عشية وضحاها وقد أصبحت شخصا آخر سليطا وعنيفا..!!

هذا لا يعني أن لا إمكانية للتغير بل هو وارد جدا ولكن ليس سهلا، ولعل الصدمات أحيانا تكون سببا في تغيير الطباع، ونرى ذلك واضحا في سحب الثقة من الآخرين حين يُقْدم أحدهم على خداعك بعد ثقتك المطلقة به..
أيضا تلحظ ذلك في تربية الوالدين للطفل على التدليل المبالغ فيه وبمجرد خروجه للمجتمع المحيط كالمدرسة مثلا يواجه صعوبات جمّة في التأقلم مع الوضع الطبيعي، ويكون سلوكه مغايرا لما يجب أن يكون عليه كما هي الحال مع أقرانه، وهنا تبدأ معاناة الوالدين في محاولة تغيير الطباع فيصعب عليهم إقناعه بتغييرها مما قد يؤدي به أمراض نفسية مزمنة للازدواجية في واقعه..

لا تفرط في مسألة التعود أو التعويد على طبع معين يصعب عليك التخلص منه، فالعصبي يظل عصبيا والعاقل سيظل عاقلا مالم يأتيه ما يخرجه من فلك عقله ودائرة اتزانه.. وهذا يسمى تغيير تحت الضغط أو التغيير الإجباري وهو تغير بلا قناعة، كأن تضطر إلى مسايرة أحدهم بلا وعي ولا إدراك فقط للتخلص من الضغوط أو لعدم القدرة على المواجهة والتغير، هذا غالبا يكون مؤقتا لا تلبث أن تعود إلى طبعك الأساسي فالطبع يغلب التطبع ( للمستسلمين من الحمقى فقط ) بينما أصحاب الإرادة القوية والقابلين للتغير الإيجابي بإمكانهم إحداث التغيير للأجمل.
وقد يطرق عقلك عدة تساؤلات عن طباعك وطباع غيرك كأن تسأل نفسك كيف يمكن التعايش مع شخص عصبي 
أو أحمق أو حتى بخيل ؟
وهل يمكن للآخر أن يتقبلني لو كانت هذه طباعي ؟!
و هل يجب علينا الاستسلام لطباعنا السيئة؟
أفلا نجاهد أنفسنا لاستبدالها بالأجمل ؟
الآخر ليس ملزما بتقبلك وقبول طباعك السيئة فلا تغضب منه وفتش في نفسك لعلك تجد الخلل فتسده
وجاهد نفسك أيضا وبقوة لتبدو أمام الآخر بصورة جميلة!!

إذْن كُنّ سُكّراً
وهذا ما حث عليه ديننا الحنيف فحسن الخلق هو النبع المتدفق سلوكا حسنا وطباعا أنيقة .

مآثر ومثالب ..!






رابط الموضوع في صحيفة الرأي الإلكترونية.


حين يتناهى إلى سمعك أن أحدهم مات، أو رحل عن الديار، أو تقاعد من عمله، تبدأ ذاكرتك تستعيد ما كنت تعرفه عن هذا الشخص فتقلب الصفحات تبتسم وأنت ترى مآثره ومعالم بصماته الخيرّة قولا وعملا..

وتتألم لآخر لم يهتم لعثراته وسقطاته متعمدة أو عفوية، فصنع لنفسه سيرة فقيرة من المآثر !
لا شك أننا جميعنا سنكون هذا الشخص يوما ما إما بموت، أو رحيل، أو تقاعد، وهنا يأتي السؤال العميق للنفس ( ماذا قدمتِ؟ ) لتحضر الإجابة المخدِّرة تخديرا موضعيا للضمير ( قدمت وخدمت وعملت )..
وتبدأ النفس الأمارة بالسوء في رفع سقف المآثر والأثر الحسن، والتقليل من شأن المثالب والعيوب خشية اللوم والتقريع!!

الأثر ليس بالضرورة أن يكون حسنا دائما وهذا مؤسف جدا، إذ يمكن أن يكون أثرا بشعا كالندبات في وجه صبية حسناء، وقد يكون جارحا أو مدمرا أو قاتلا..
فكما يفخر مهندس بناطحة سحاب أصلها في الأرض ورأسها يعانق السماء هناك آخر طوى الأمانة بين ثنيات النقود فعبث بأساسات بناء خرِب رغم حداثته فانهار وتحول أنقاضا على رؤوس ساكنيه!!
أيضا كما يكون للمعلم الجهبذ أثر حسن يبدو جليا في جيل متعلم ومبدع، هناك معلم آخر دمّر الطالب بقسوته ونرجسيته وعقده فترك بصمة مشوهة المعالم في نفوس الطلبة!!
وقد لا يكتفي بذلك فيمتد أذاه إلى التحطيم والتقليل من شأنهم والتسبب في تركهم مقاعد الدراسة وضياع مستقبلهم..

والأثر أيّا كان نوعه لا يرتبط بجنس أو جنسية معينة ولا حتى بمكانة اجتماعية..
فكم من عامل نظافة أثره الحسن واضح وبيّن وهو يمارس دوره الوظيفي بكل إخلاص فلا وظيفته تحول أن يكون شخصا مثاليا متعلما أو حتى ( إنسانيا )..
بينما قد يكون مديرًا أو حتى شخصًا مرموقًا ولكنها مكانة ورقية على النقيض منه تماما !
فتراه متغطرسًا سليطا أثره السيء مطبوعًا بوضوح على قلوب مرؤوسيه..
وهناك حطاب قلبه أقسى من فأسه حين يغرسها في شجرة تمدّ الأرض بالأكسجين ويطبع أثر فأسه على ماتبقى شاهدا على جهله!!
وهناك دكتور آثر الغنى المادي على غنى النفس ومسح أثرًا كان يمكن أن يكون علامة إنسانية تجمل خلقه كجمال مهنته..!!

وليس هناك أسوأ من شخص تتحاشى البقاء معه أو الالتقاء به خشية لسانه وسوء طباعه!!

الرحيل لا يستأذنك بالقدوم لكي تستعد له فقد يباغتك على حين غرة ويطوي صفحاتك التي دوّن فيها الكثير إما بمداد من دعاء لك، أو بعبارة ( اذكروا محاسن موتاكم ) المآثر والمثالب ضدان لا يجتمعان أبدا وأنت من يختار الرداء ليتدثر به إما يزيدك جمالًا ووقارًا، وإما يحفر في قلوب الآخرين ذكريات عنك بشعة لا تنسى.


02‏/05‏/2020

الجيش الأبيض!


رابط الموضوع في صحيفة الرأي الإلكترونية..



في الحروب تحاصر المدن، وتدكُّ الحصون، ويعلو صوت المدافع وأزيز الرصاص، فيكفَخ الطير ويجفّ الزرع ويدبّ الخوف..!
و الناس إن لم يُقتلوا فهم إما محاصرون حدّ الهلاك، أو مشردون تائهون في الأرض، وحينها يبرز دور الجيش ذو العدة والعتاد ورجاله الأشاوس، ويعلق الناس آمالهم بعد الله على قوته وشدة بأسه وقدرته على حفظ وتمكين الحدود وبسط الأمن في ربوع البلاد هذا ماعهدناه في حال الحروب التقليدية بين جيوش الدول المتحاربة، ولكن كيف يكون الحال وخصمك غامض وغير مرئي؟!
إذْ حين يهاجمك عدوا قاتلا لا يبقي ولا يذر، يقتحم البلاد تلو البلاد، يجتاز الحدود ويعبر البحار فيقلب أوضاع دول عظمى فيكسد اقتصادها، وتُهْجر مطاراتها، وتتعطل مصالحها، يحتار فيه العالِم والخبير، وتنهار أمامه قدرات أعتى الجيوش حين يسيطر على رؤسائها قبل مرؤوسيها، تبوء خطط عساكرها أمام سطوته بالفشل الذريع! ليتقدم أفراد الجيش الأبيض الصفوف، يقفون في وجه هذا العدو بكل اقتدار، ميادين قتالهم المستشفيات، وعدتهم الثقة بالله والتوكل عليه أولا، وحب المهنة والولاء لها ثانيا، وإنسانيتهم ثالثا ورابعا وعاشرا.
نعم إنهم أبطال "الصحة" هم العنوان الأجمل والأجدر لهذه المرحلة الحساسة، هم من يستحقون الثقة والإشادة والثناء فقد أثبتوا بما لا يدع مجالا للشك أنهم القادة البارعون في حرب عدوهم العابر للقارات الذي يقصف المدن بلا رصاص وبلا رحمة، فاستطاعوا بتوفيق من الله التصدي له ووقف انتشاره مقدمين أرواحهم قبل فترات راحتهم.
تركوا العالم يتفرج ويحصي ويخاف ويأمل وتفرغوا هم للميدان حتى وهم يشاهدون زملاء لهم يتساقطون مصابين!!
حتى وهم يتركون خلفهم أسر وأحبة يخافون عليهم! حتى وهم على يقين أنهم عرضة للعدوى!
حتى وهم يبصرون مشاهد الخوف والألم في عيون مرضاهم فتتقطع لها نياط قلوبهم!
حتى وهم يدركون أن دخول المستشفيات بوضعها الحالي لا يقل خطورة عن أرض معركة القصف فيها عشوائي، فلا يزيدهم ذلك إلا إصرارًا وعزيمة على مواصلة حربهم ليتحرر العالم بأسره من هجوم فايروس كورونا وتنعم البشرية جمعاء بالصحة والعافية..
الجيش الأبيض أبطال الصحة واجب علينا الاحتفاء بكم وحقٌ لكم أن نقدر تضحياتكم دمتم لآلئ تزهو بها تيجان الفخر والاعتزاز
.


أسرى العادات

رابط الموضوع في صحيفة الرأي الإلكترونية..


لو قُدّر لنا أن نحصر العادات السيئة في المجتمع فلن نتفق على أغلبها، فحين أرى أنا أن هذه عادة سيئة قد تختلف معي أنت فتراها عادية!
وهذه مكابرة إذ أن كل عادة تؤدي إلى سوء فهي سيئة بلا شك..
العادات السيئة للأفراد تهدم قيم أي مجتمع مهما حرص قادته على التوجيه والإرشاد، فممارسة العادات السيئة علنا وأمام الناشئة مدعاة للتقليد والمحاكاة، وبالتالي تأصيل هذه العادات وترسيخها في ثقافتهم وانسحابها على النظرة العامة للمجتمع لا سيما أثناء فترات الحروب والتراشق الإعلامي بين الفرقاء ..
ليس هناك مجتمع يخلو من العادات السيئة ففي كل مجتمع أفراد يمارسونها حتى وإن كان مجتمعا صالحا متدينا فلكلّ قاعدة شواذ، ومن الإجحاف أن نطبع على مجتمع بعينه أنه سيء حين يأتي بعض أفراده بسلوكيات غير مقبولة، ولا يمكن أيضا أن نمنح مجتمع آخر صك براءة من السوء حين لا يبدو لنا منه إلا الوجه الآخر كتقدمه العلمي أو تطوره المدني وجودة بنيته التحتية، فقد يكون له وجه آخر يمارس في الخفاء لا يعلمه إلا أهله..!
العادات السيئة الفردية حين تسيطر على عقل أحدنا فإنه يصبح أسيرًا لها تكبله أينما حل أو ارتحل، ومن الممكن جدا أن يغير من طباعه لتتماشى مع عادته السيئة وليس بالسهل التخلص منها مالم يكن لديه قوة إرادة ورغبة في التغيير، وظرف استثنائي يسهم في علاجه كما هي الحال في رمضان والذي يعدّ فرصة سانحة للتخلص منها ونبذها وفكّ قيودها..
رمضان له خصوصية لا تكون في غيره حين نُلهَم فيه الصبر، ونُمنَح القدرة على التحمل، ويعزّز لدينا الكثير من القيم، لعل من أبرزها الرغبة في التحول من شخص عنيف أو سلبي أو مقصر أو غير سوي إلى إنسان سوي مسالم إيجابي ومبادر ..
رمضان للعاقل فرصة تُستثمَر، ففيه يمكن أن تكون شخصا آخر ومخالف عما عُهِد عنك، فإن كنت مدخنا تستطيع تركه، وإن كنت أسيرًا لجهازك تستطيع أن تستغني عنه، وإن كنت مدمنا على عادة قبيحة تستطيع أن تستبدلها بأخرى جميلة وما عليك سوى أن تستعين بالله ثم تستحضر نيتك على التغيير ..
إن ممارسة العادات السيئة دليل ضعف وخنوع واستسلام وقد تصنف أنها نوع من الإدمان، ويجب أن نبادر للتحرر منها واستبدالها بعادات أفضل وأجمل..
أسرى العادات أشخاص متقلبوا المزاج ومن السهل جدا أن تستفزهم وتثير حنقهم، فمن لا يستطيع أن يترك عادة تقيده فلا استطاعة لديه أن يضبط أعصابه ويكظم غيظه .

جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان