في جلسة هدوءٍ واسترخاء، يتبادر إلى الذهن تساؤل عميق:
هل أتوق إلى نفسي القديمة؟
تلك المرحلة العمرية الفائتة، التي لا تزال نسخةٌ منها تمرّ في ذاكرتي مرّ السحاب، خفيفةً وسريعةً، ومثقلةً بالذكريات. تتباين فيها المشاعر بين بساطةٍ وبراءةٍ موغلةٍ في التلقائية، لا يسكن في قلبها الخوف ولا الفزع من المستقبل.
كان تفكيرها منصبًّا على اللعب واللهو، وملامحها بريئة، لا يعنيها العالم بأسره، إذ تراه زاهيًا بألوان الطيف.
الحنين إلى النسخة الأولى يأتي حين تكسرنا الأيام بضغوطاتها المتلاحقة، وحين نفتقد أحلامنا، وأماكننا التي نشأنا فيها، وعلاقاتنا، وشعورنا بالأمان.
ويشتدّ هذا الحنين مع الخوف من المستقبل، والتغيّر المتسارع الذي يكاد يفقد الأشياء طبيعتها.
فهل كانت سنوات الطفولة هي الأجمل والأكثر نقاءً؟
وهل كانت أكثر سعادةً وقناعةً بما لديها، حتى وإن كانت الأشياء بسيطة؟
أم أن ذكرياتنا تُجمّل لنا الماضي ليبدو أكثر جمالًا من الحاضر؟
وهل الحنين إلى النفس القديمة حنينٌ حقيقي، أم هو مجرد شعورٍ عابر لا يمثل حقيقةً ثابتة؟
يرى أغلبنا أن الحنين حقيقةٌ لا شعور عابر، حين يستيقظ في مواقف بسيطة:
كزيارة بيت الطفولة، أو سماع صوتٍ ارتبط جماله بالذاكرة، أو رؤية شخصٍ غاب عنا طويلًا، أو حتى العبور في طرقاتٍ شهدت ما كنا نعدّه مغامراتٍ وبطولاتٍ طفولية بريئة.
كل ذلك يعيدنا قسرًا إلى النسخة القديمة من ذواتنا، فيتلقّفنا الحنين،
ويبدأ معه صراعٌ داخلي بين الرغبة في العودة لما مضى—رغم استحالته— وبين الألم لفقدان ما نراه جزءًا لا يتجزأ منا:
عفويتنا، وبراءتنا.
وما نلبث بعدها إلا أن نعود إلى واقعنا، لنطرح السؤال:
هل كان تغيّري للأفضل أم للأسوأ؟
وهل هذه مرحلة النضج، أم أنني أضعت ما كنت عليه من نقاء؟
إن الحنين إلى النفس القديمة لا يأتي عبثًا، بل حين تثقلنا الأيام بضغوطها، ونفتقد أحلامنا الأولى،
وأماكن نشأتنا، وكل ما كان يمنحنا شعور الأمان.
الحنين إلى النفس القديمة حقٌّ مشروع، فهو احتفاظٌ بالنسخة الأصلية منك بكل تفاصيلها، حتى وإن استسلمت للتغيير.
فالفطرة السليمة يجب أن تبقى، ولا يعيبك أبدًا حنينك إلى نفسك الأولى… فهي الأصل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق