تعودنا أن نخاف من أشياء كثيرة؛ الموت، المرض، الفشل، وغير ذلك كثير.
كلها مخاوف قد تُحدث في أنفسنا الكثير حين لا نستطيع التكيف معها أو التقليل من آثارها بعد معايشتها، وكثير من هذه المخاوف لا نستطيع ردّها؛ إذ هي قدر محتوم.
لكن هناك أشياء نستطيع أن نتخلى عنها قبل أن تكتمل بمحض إرادتنا، إما بسبب مخاوف لا أساس لها من الصحة، أو لأننا نقبع في محطات الانتظار مترقبين لحظة مثالية نُكملها فيها بحثًا عن الكمال، أو لأسباب أخرى. وهذا لا يُسمّى خوفًا بقدر ما هو هروب.
لماذا نتخلى عن مشاريع حياتية أو علاقات بدأت جميلة وكان يمكن أن تستمر، إلا أننا انسحبنا قبل أن تكتمل وتبدو لنا معالمها واضحة؟
ثم نعود بعد سنوات فنراها من بعيد ونتألم لعدم اكتمالها، متجاهلين أن الاكتمال لا يأتي إلا بالاستمرار وتكرار المحاولات.
هل سيطر علينا الخوف من الفشل حتى لم نعد ندرك أن لا يأس مع الحياة؟
إن التخلي عن الأشياء قبل اكتمالها لا يُلغي أسباب التخلي، بل يؤجلها، ثم تعود على هيئة ندم، وربما ألم ومرارة.
لا ينبغي أن نتخلى عن مشاريعنا، ولا عن علاقاتنا، ولا عن أحلامنا قبل أن تكتمل. ولا أن نؤجل الإنجاز بدعوى الخوف أو انتظار اللحظة المثالية؛ فالتعايش مع الصعوبات هو ما يقودنا ويدفعنا بقوة نحو الإكمال.
لسنا ضعفاء لأننا نخاف، فالخوف جزء من فطرتنا.
لكن الضعف الحقيقي أن نمنح الخوف زمام قراراتنا؛ أن نغادر حلمًا لأنه ارتجف قليلًا، أو ننسحب من علاقة لأنها لم تعد تشبه البدايات.
كثير مما تخلّينا عنه لم يكن يستحق الرحيل، بل كان يحتاج صبرًا أطول، وإيمانًا أقوى بجدواه، وشجاعة تمضي دون تردد.
نغادر قبل الاكتمال، لا لأن الطريق انتهى، بل لأننا خفنا من مواصلة السير فيه.
ثم نكتشف متأخرين أن الألم الذي هربنا منه أهون من ألم الندم حين ننظر إلى الوراء.
ربما لن ننجو دائمًا من الخسارة، لكننا نستطيع أن ننجو من حسرة التخلي المبكر عن كل ما هو جميل.
فليس كل ما يُخيفنا يستحق أن نتركه، وليس كل ما لم يكتمل كان فاشلًا؛ بعض الأشياء فقط لم نمنحها فرصة الحياة، وأغلقنا أمامها مصدر الضياء، فماتت قبل أن تكتمل.