قد يعتقد البعض أننا بحاجة إلى أن نفعل شيئًا لنتغير، ونغيّر بعض أفكارنا وقناعاتنا وما كنا نؤمن به، ولكن هناك أشياء تحدث دون سعيٍ منا، فتُحدث الفرق في أنفسنا وأفكارنا، وأحيانًا في المسار الذي كنا نخطط لحياتنا.
قد يأتي التغيير الذي ننشده، أو حتى الذي لا نرغبه، بأبسط الصور؛ كلمة، أو موقف، أو خيبة أمل، أو كتاب، أو انتظار طويل، ليعيد تشكيل شخصياتنا من جديد.
فهذه الأحداث التي تفرضها الأيام والسنوات هي التي من شأنها أن تُسيّر دفة أفكارنا، وتمحو كثيرًا مما كنا نراه الأفضل، وتستبدله بما لم نكن نتوقعه، أو حتى نرغب فيه.
إذ إن أسباب حدوث الفرق قد تأتي في صور متعددة، وغالبًا ما تحدث بلا قرار قوي اتُّخذ مسبقًا، ولا خطة أُعدّت تنتظر التنفيذ. فما كنت تراه يومًا مثالًا لا يمكن المساس به، قد يصبح أثرًا من الماضي، فتلتفت إليه بعد حين، فتراه ذكرى قد تضحكك، وقد تبكيك.
إن الأحداث الصغيرة التي تقع خلال يومك هي نقاط تحول في حياتك دون أن تدرك. وقد تكون الفاصل بين ما كنت تريده، وما أصبحت عليه الآن. فكثيرٌ منا يرسم طريقًا لحياته، ويتمنى أن يسير عليه ليصل إلى مبتغاه، ثم يأتي حدث واحد يغيّر اتجاه ذلك الطريق، فيتبدل مسار الحياة بأكمله، ليكتشف الإنسان أن ما حدث، وما كان يظنه عشوائيًا، كان هو الأصلح له.
ثم إن الأحداث تتكرر مع كثير من الناس، وتتشابه في تفاصيلها، لكنها تختلف في أثرها، وفي قدرة كل شخص على التعامل معها، وتطويعها، والاستفادة منها، بدلًا من محاولة عكس اتجاهها، والإصرار على الاستمرار في الطريق نفسه، حتى وإن كانت نتائجه النهائية قد خذلته.
وفي الحقيقة، هناك كلمة لا يتذكرها قائلها، فلا يلقي لها بالًا، لكنها غيّرت عمرًا كاملًا، وبدّلت قناعةً متجذرة في الأعماق. وهناك خيبة مؤطرة بالآلام والأوجاع، ظنناها نهاية، فإذا بها بداية مختلفة صبغت أيامنا بالجمال. وهناك انتظار طويل تذمرنا منه، لكنه علّمنا ما لم تعلمنا إياه السنوات السريعة. وهناك كتاب طوينا صفحاته، لكنه فتح في داخلنا أبوابًا لم نكن نعلم بوجودها، وغير ذلك الكثير مما يمكنه أن يُحدث الفرق في حياتنا.
ولعل أجمل ما نتعلمه مع الأيام أن الفرق الذي يحدث معنا لا تصنعه الأحداث الكبيرة وحدها، بل قد تصنعه كلمة عابرة، أو انتظار طال، أو خيبة أيقظت فينا ما كان نائمًا. وما علينا إلا أن نمتلك الوعي الكافي لالتقاط أثر تلك اللحظات؛ لأنها قد تكون البداية التي لم نكن نبحث عنها، لكنها كانت الطريق الذي احتجناه فعلًا.
ويبقى علينا أن نتحلى بالوعي تجاه ما ينبغي أن نفعله حيال كل موقف عابر، أو كلمة تستقر في قلوبنا قبل آذاننا، أو لحظات انتظار لم نلتفت إليها وهي تنتقص من أعمارنا؛ فكل ذلك هو ما يحدث الفرق.