لم يُخلق الإنسان طمّاعًا جشعًا، لكنها طباع مكتسبة قد تنمو وتكبر معه حتى تصبح سمةً تميّزه، وقد يكتشف يومًا أنها لا تليق به، فيجتهد في التخلص منها واستبدالها بالرضا والقناعة.
ولعل ما يُسهم في تضخّم هذه الطباع اعتياد النعم أكثر مما ينبغي؛ فما عادت تدهشنا الأشياء الجميلة، ولا حتى التفاصيل الصغيرة التي كانت في وقتٍ ما مصدرًا لفرحنا وامتناننا.
لقد أفقدنا اعتياد النعم استشعار قيمتها، فلم نعد نخشى زوالها، وكأنها أمرٌ مسلّم به، لا منحة تستحق الشكر. بل أصبح بعضنا يراها كما يراها الجاهلون: عاداتٍ وتقاليد، فيسيء استخدامها بعد أن ألِف وجودها.
فصاحب المنصب قد يظن أن منصبه يمنحه الحق في إذلال الآخرين، متناسيًا أن المنصب لو دام لغيره ما وصل إليه.
والبعض يغفل أن الصحة لا تدوم، فيُلقي بنفسه إلى مهالك الإسراف في كل شيء.
وهناك من يستهلك فراغه في اللهو واللعب، دون وعي بقيمة الوقت، وكأن الغد مضمون، متناسيًا أن الفراغ نفسه نعمة قد لا تتكرر.
ومن اعتاد الأمن والأمان قد لا يدرك أن معه في هذا الكوكب آخرين يتمنون لو يبيتون ليلة واحدة هانئة، بلا خوف أو وجل.
حتى كلمات الحب والامتنان والاعتذار اعتدنا تأجيلها، حتى تأتي الأيام بمفاجآتها المؤلمة، فنحنّ إلى لحظة تمنّينا فيها لو أننا قلنا لمن يستحقها ما كان ينبغي ألّا نؤجله.
لسنا نعاني قلة النعم أو ندرتها، ولكننا وبكل مرارة اعتدناها حتى فقدت وهجها وبريقها في أعيننا وقلوبنا، فلا نعرف قيمتها إلا حين نفقدها.
هي بين أيدينا الآن؛ فلننظر إليها وكأننا نراها للمرة الأولى، ولنحذر أن يفسدنا اعتيادها وكثرتها، فنفقد معها لذّة شكرها، ونعمة دوامها.