السعادة لا تأتيك على أجنحة حريرية، ولا يحملها إليك أحد، ولن يسعى الآخرون إلى منحك إياها ما لم تسعَ أنت إلى إسعاد نفسك، وتمنحها المساحات التي تصنعها بيديك. فالكل منشغل بنفسه، وقد يشاركك سعادتك، لكنه ليس مسؤولًا عن صناعتها لك.
لذلك، لا تنتظر أحدًا أن يؤجل فرحه ليسعدك، ولا أن يجعل من كتفه متكأً تستند إليه كلما مالت بك الأيام أو خبا الضياء في عينيك. فأنت وحدك من يعرف احتياجك ، وأنت الأقدر على كسر القيود التي تحول بين قلبك وبين السعادة.
وليس في ذلك أنانية، بل هو استيقاظ في الوقت المناسب من غيبوبة العطاء حد الهلاك.
كما أنه ليس تمردًا على قيم البذل والإيثار، فهي من أنبل القيم حين توضع في مواضعها، وتُمنح لمن يستحقها. أما الإفراط في العطاء، فيجعل بعض الناس يتشبعون بفكرة الاستحقاق، فيرون ما تقدمه حقًا مكتسبًا، ويستنكرون التفاتك إلى حق نفسك.
ومن الحكمة أن يتحقق التوازن بين العطاء والاعتناء بالنفس؛ فالعطاء بلا حدود لا يرهق صاحبه فحسب، بل قد يضعف في نفوس الآخرين قيمة الإحسان، ويغيب عنهم الشعور بالشكر والامتنان. أما العطاء الواعي، فإنه يحفظ العلاقة، ويعزز الاحترام المتبادل، ويحمي النفس من الضغوط والاستنزاف.
ولا يعني ذلك أن تجفف أنهار العطاء، أو تنغلق على حب الذات، وإنما تذكّر دائمًا أن لنفسك عليك حقًا. فإهمال الذات إرضاءً للآخرين ليس فضيلة، كما أن تضخم حب الذات حتى يطغى على حقوق الآخرين ليس من المروءة. وإنما الفضيلة في الاعتدال؛ أن تعطي بوعي، وتعتني بنفسك دون تقصير في حق غيرك.
إنها دعوة للتوازن في البذل ؛ فلا إفراط ولا تفريط. فالسعادة لا يحملها إليك أحد، ولا تأتي هدية من الآخرين، وإنما تبدأ حين تمنح نفسك حقها من العناية والراحة، وتصنع لها مساحاتها الخاصة.
اعتنِ بنفسك، فإن لنفسك عليك حقًا، وحقُّ النفس لا يُؤجَّل.