ممارسة الهدوء مهارة وسلوك واعٍ، وليست حالة نفسية عابرة أو طبعًا ثابتًا لا يتغيّر. فالضجيج والهدوء خطان متوازيان في حياتنا؛ بين من تستفزّه الأجواء الصاخبة، ومن يعشق الهدوء الذي قد يمتد إلى صمتٍ يراقب من بعيد. ولا يعني ذلك أن صاحب الهدوء أقل تأثيرًا أو حضورًا، فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بالضجيج، بل بما يقدّمه الإنسان بثبات واتزان ووقار.
الهدوء ليس سلبية ولا استسلامًا، بل هو مستوى عالٍ من الوعي والإدراك، وقدرة على تقدير المواقف وتمييز ما يستحق التفاعل مما يمكن تجاوزه. وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتزاحم المعلومات من كل اتجاه، نحتاج - أكثر من أي وقت مضى - إلى الهدوء الإيجابي الذي يحفظ توازننا النفسي، ويصون تركيزنا، ويعيننا على اتخاذ قرارات صائبة وناضجة، ويرتقي بطريقة إدارتنا للحوار. فالتعامل بروية وهدوء دليل احترام للخصوصية، وبعد عن التسرع، وارتفاع في مستوى الإصغاء، وهو ما يخفف من سوء الفهم ويزيد الثقة بالنفس، فضلًا عن مكاسب عقلية وجسدية كثيرة.
كثيرون يعانون من الضجيج، سواء داخل الأسرة أو على مستوى المجتمع بما تموج به وسائل التواصل من معلومات متضاربة وإشاعات. وهنا تبرز الحاجة إلى تعلم مهارات الاستماع والتأمل، وترويض النفس على الصبر وضبط الانفعالات، وتعزيز قيمة الوقار والسكينة، وتخصيص أوقات للعزلة الحميدة لممارسة أنشطة بسيطة كالقراءة أو المشي.
وأخيرًا… جرّبوا أن تعيدوا ترتيب أنفسكم من الداخل، وأن تمنحوها مساحات من الهدوء والسكينة والتأمل. ففي داخل كلٍ منا ضوء لا يكتمل إشراقه إلا حين نمنحه فرصة للصمت والراحة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق