هل التراجع أقوى من الاستمرار؟ أم أن الاستمرار في أي أمرٍ كان ضعفا أو مكابرة؟
تظهر قيمة التراجع حين نتراجع عن خطأ في حقّ أحد، أو قرار، أو علاقة سامة، أو فكرة نكتشف أنها لا تناسبنا ولا تتماشى مع معتقداتنا وقناعاتنا وأفكارنا، بل ومع كل ما يعيق تغيّرنا نحو حياةٍ أجمل.
في لحظةٍ ما يتوقف الإنسان عن الركض خلف ما ظنّ أنه يريده، ويقف أمام نفسه وجهًا لوجه ليتساءل:
لماذا ما زلتُ أحمل ما أثقلني؟ ولماذا أتشبّث بما لم يعد يشبهني؟
هنا تتجلّى قيمة التراجع؛ ذلك الفعل الذي يبدو في ظاهره انسحابًا، لكنه في حقيقته بداية العودة إلى الذات وتوقّفٌ شجاع عن الاستمرار في طريقٍ اكتشفنا أنه خطأ.
التراجع ليس ضعفًا، بل قد يكون قمة الشجاعة حين نعترف به لأنفسنا.
فنحن أحيانًا نستمر في حمل ما يرهقنا فقط لأنه مألوف: عادات اعتدناها، وأدوار لعبناها، وطرق سرنا فيها سنوات طويلة، رغم أنها لم تمنحنا سوى المزيد من الإنهاك وضبابية الرؤية.
لكن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في المواصلة دون وعي، بل في أن نقف ونقول بصدق: كفى.
فخطوة واحدة إلى الخلف قد تنقذنا من سنواتٍ من التيه، وتعيد إلينا توازنًا افتقدناه طويلاً.
وعندما نتراجع، فإننا نمنح أنفسنا فرصة للتعافي والشفاء والعودة إلى الطريق الصحيح؛ كأننا نعود إلى حضن الأم، حيث الدفء والحنان والأمان.
وعندما توقف علاقة تستنزفك، أو عادة تسرق سلامك، أو عملاً لا يضيف لوجودك قيمة، فأنت لا تهرب، بل تحمي نفسك وتعيد ترتيبها من الداخل، لتعيش بسلام بعيدًا عن الحزن والضغط.
وعندما تتراجع عن خطأ ارتكبته في حقّ نفسك، فأنت تمنح ذاتك رسالة واضحة:
أنا أستحق الأفضل، ولن أسمح لأي شيء أن يُبدّد استقراري النفسي وهدوء روحي.
التراجع ليس اعتزالًا للآخرين، بل هو عودة إلى النفس بعد غياب طويل.
وهو نافذة للرؤية حين تحجبها الفوضى وتداخل الأمور.
فعندما نتراجع، نكون كمن ينفض الغبار العالق في الجو، فنرى الطريق بوضوح أكبر، وندرك أن بعض الأشياء التي ظنناها ضرورية لم تكن سوى أعباء قديمة نحملها بلا جدوى.
ونكتشف أيضًا أن طرقًا جديدة كانت تنتظرنا، لكنها لم تتضح إلا عندما اتسعت دائرة الضوء أمامنا.
فالتراجع ليس نهاية الرحلة، بل إعادة رسم مسارها من جديد.
إنه أجمل اعتذار نقدّمه لأنفسنا:
اعتذار عن الصبر فوق طاقتنا، وعن السير في طرق لم نخترها، وعن إسكات صوتٍ بداخلنا كان يهمس دائمًا: "حان وقت تصحيح المسار"
وحين نستجيب لذلك الصوت، نتعلم أن نصغي إلى احتياجاتنا، وأن نحبّ أنفسنا، حتى لو كان ذلك يعني ترك ما اعتدنا عليه.
فالتراجع هو نقطة البداية لانطلاقة أجمل نحو حياةٍ أكثر أمانًا واستقرارًا.
هناك تعليق واحد:
مقال واقعي، ويصل مباشرة إلى القلب، لأنه يمسّ لحظة مرّ بها كل إنسان — لحظة اكتشاف أن السلام أغلى من الاستمرار، وأن العودة خطوة إلى الوراء قد تكون بداية جديدة إلى الأمام 🕊🤍
إرسال تعليق