12‏/07‏/2026

متلازمة التكديس

اعتاد بعض الناس على الاحتفاظ بمقتنياتهم الشخصية أو أغراض منازلهم، حتى وإن انتفت حاجتهم إليها، وتقوم فلسفتهم على عبارة: “قد أحتاجها يومًا ما.” حتى إن بعض الأشياء بقيت في منازلنا عشرات السنين، ولم نستطع التخلص منها، ليس لأنها قيمة أو ثمينة، بل لأننا لم نمتلك الشجاعة لاتخاذ قرار الاستغناء عنها.

وقد يفسر البعض هذه الفلسفة بأنها خوف من المستقبل أكثر من كونها حاجة حقيقية، وهي بلا شك تشغل حيزًا من العقل، وليس فقط حيزًا من فراغ منازلنا، فنحتاج إلى كثير من الجهد والوقت والتفكير في كيفية ترتيبها وتنظيمها. كما أن الاحتفاظ بالقديم قد يقتل فينا متعة التجديد والبحث عن الجديد، بسبب امتلاء المكان بما هو قديم، فيقف حجر عثرة أمام دخول الجديد.

هذه الظاهرة، التي يشترك فيها أغلب الناس بدرجات متفاوتة، تبدو وكأنها حالة يطلق عليها متلازمة التكديس.

ولا يقتصر التكديس على الأثاث والأشياء الشخصية فحسب، بل يمتد إلى الذكريات أيضًا؛ فالبعض يحتفظ بالقلم، والوردة، وقصاصة الورق، والهدايا، والرسائل، ليس لأنها ثمينة في ذاتها، بل خوفًا من فقدان الشعور المرتبط بها.

ونرى مظاهر متلازمة التكديس كثيرًا في حياتنا اليومية، فمنها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ تكديس الملابس، والملفات في الهاتف، والصور التي لن نشاهدها إلا نادرًا، والتطبيقات التي لا نحتاجها، والكتب التي لم نقرأها، وربما لن نقرأها. كما نكدس العلاقات التي انتهت صلاحيتها، والمواعيد، والالتزامات، والعتاب، والمواقف القديمة، ولا نسمح لها بالرحيل.

دعونا نتفق على أن الاحتفاظ بالحاجات الضرورية التي نعود لاستخدامها بين حين وآخر أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي أن نكدس ما لا نحتاج إليه بحجة: “قد” أو “ربما” نحتاجه. حتى أصبحت كلمة “ربما” أشبه بمستودع نبرر به كل ما نعجز عن التخلي عنه.

ويلجأ بعض الناس إلى شراء خزائن أكبر، في محاولة لحل مشكلة التكديس، متجاهلين أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في ضيق المساحة، بل في القدرة على اتخاذ قرار بالتخلص من الفائض.

وربما ليست المشكلة في ضيق المساحات لدينا، بل في اتساع دائرة الخوف والقلق من الفقد، فنلجأ إلى التكديس.

جميل أن نحتفظ ببعض المقتنيات الثمينة أو العزيزة جدًا على قلوبنا، من باب الحب والتقدير، لكن أن يمتد هذا التقدير إلى كل ما تقع عليه أيدينا من أثاث، أو معدات، أو مقتنيات شخصية، فذلك أمر يستحق أن نتوقف عنده؛ إذ ليس الغنى أن نملك أشياء أكثر، بل أن نحتاج إلى أشياء أقل، وأكثر نفعًا.

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان