14‏/06‏/2026

الإرادة المسلوبة

دعونا نقوم بتشخيصٍ دقيقٍ جدًا لما آلت إليه حال المجتمعات اليوم. فبنظرةٍ فاحصة، لم تعد المجتمعات كما كانت قبل عقدين من الزمان من حيث العلاقات الاجتماعية؛ إذ كانت فيما مضى أشدَّ أواصر وأقوى روابط، وأمضى من حدِّ السيف في الحفاظ على القيم الإنسانية الجميلة.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي داهمتنا بقضِّها وقضيضها، وأصبحت المتحكم الرئيس في المشهد، يسندها في ذلك ضعفٌ في تقدير القيم الدينية والإنسانية والمجتمعية. وأصبحنا نكتفي برسالةٍ باردةٍ للمشاركة الوجدانية في مناسباتنا السعيدة منها والحزينة، وفرضت علينا أحرف الرسائل بمختلف أنواعها واقعًا غريبًا؛ إذ نستلم الرسالة ونبدأ في تحليل حروفها دون أي اعتبارٍ لحال مرسلها أو مقصوده.

فالتبس علينا المعنى وتفسيره، وكم من رسالةٍ تئن تحت مقصودٍ لم يُفهم، ومفهومٍ لم يُقصد، فتسببت في قطيعةٍ أو خلافٍ أو فتورٍ في أعمق العلاقات.

حتى أوقاتنا وهي أعز ما نملك، سُرقت منا برضانا، وبقدرٍ كبيرٍ من التقدير لذلك اللص الذي يعيش بيننا معززًا مكرمًا، بل وسلب منا إرادتنا للمقاومة بموافقتنا وترحيبنا!

كيف نتجنب هذا المنزلق التقني الخطير الذي نتجه إليه بسرعةٍ عجيبة؟ وهل نتوقع أن يأتي ما هو أشد وأصعب مما نحن عليه الآن؟ ألا ترون أن وسائل التواصل تتسابق للسيطرة على عقولنا؟ أين المخرج؟ وكيف سيكون حال أطفالنا في المستقبل؟

أسئلةٌ نخشى أن نطرحها، بل ونتجنب البحث عن إجاباتٍ شافيةٍ لها وحتى تلك المحاولات الخجولة من البعض قد لا تنجح مع مرور الوقت ما دام المجتمع لا يعينها ولا يدعم توجهها نحو النجاح.

لقد أصبحت مجتمعاتنا، وللأسف، أسيرةً لوسائل التواصل، وسُلبت منها الإرادة للمقاومة. فهل سيكون هناك بصيص أمل، أو ضوءٌ خافت في نهاية النفق الذي دخلناه بمحض إرادتنا، وصرنا نتصادم في ظلامه ونضحك بمرارةٍ على خيباتنا؟

إن مفاتيح عقولنا وقلوبنا لا تزال في أيدينا، وكل ما نحتاج إليه هو أن نسترد إرادتنا، ونعيد ترتيب أولوياتنا، وندرب أنفسنا على رفض هذه القيود والتمرد عليها. فالعلاج يكمن في إرادةٍ حديديةٍ نسترد بها زمام أمرنا، من داخل ذواتنا أولًا، ثم بمساندة أقرب الناس إلينا.

ويجب أن تكون هناك ضوابط وحدود واضحة لا نقبل التهاون فيها، لكل ما من شأنه الحد من تسلل الضعف إلى نفوسنا في مواجهة اجتياح أضرار وسائل التواصل. وعندها فقط يمكن أن نعود إلى حياتنا بما فيها من حميميةٍ وبساطةٍ وإيجابية، وألا نكتفي بالبكاء على اللبن المسكوب.

جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان