كم من إنسان أسهم في تشكيل ملامح حياتنا ثم مضى بصمت، فلم ندرك عمق أثره إلا بعد غيابه؟
في مسيرة العمر تمر بنا وجوه كثيرة، بعضها يعبر كأنه طيف عابر لا يلفت الانتباه. غير أن الأيام تكشف لنا أن بعض أولئك العابرين تركوا في أرواحنا بصمات لا تمحى، وغرسوا في أعماقنا قيماً ومشاعر وأفكاراً أصبحت جزءاً من تكويننا الإنساني. وحين تستدعي الذاكرة مواقفهم، ندرك أن مرورهم لم يكن عابرًا كما ظننا، بل كان حضورًا ممتدًا في تفاصيل حياتنا.
هؤلاء لا يلتفتون خلفهم بحثًا عن كلمات الشكر، ولا يقفون مترقبين لرد الجميل. اختاروا أن يعيشوا بعيدًا عن الأضواء، لأن غايتهم كانت أسمى من التصفيق وأبقى من الثناء. يمنحون لأن العطاء جزء من طبيعتهم، ويبذلون لأن الخير يسكن قلوبهم، لا لأنهم ينتظرون مقابلاً أو مكافأة.
الأم واحدة من أعظم هؤلاء. تمنح من عمرها وصحتها وراحتها حتى يصبح عطاؤها في نظر أبنائها أمرًا مألوفًا، فلا يدركون حجمه الحقيقي إلا حين يفتقدون دفء وجودها.
ويأتي الأب في الصورة ذاتها؛ يبذل جهده وعمره ليمنح أبناءه فرصًا أوسع للحياة، مكتفيًا بأن يرى نجاحهم ثمرةً لما قدمه من عطاء.
ثم يأتي المعلم المخلص، الذي قد تصنع كلمة منه ثقة، أو تغير نصيحة صادقة منه مسار حياة كاملة، أو تغرس قيمة تبقى راسخة في الوجدان لسنوات طويلة.
وكذلك الصديق الوفي، الذي يمنح حضوره وقت الحاجة، ويقتسم الألم قبل الفرح، ويترك في الذاكرة أثرًا يبقى حيًا كلما مرت بنا مواقف أو ذكريات تستحضره.
ولا يقتصر الأمر على هؤلاء وحدهم؛ فبيننا أشخاص يؤدون أدوارًا عظيمة في حياتنا اليومية دون أن تتجه إليهم الأنظار. يسهمون في صناعة الراحة والنظام والجمال من حولنا، بينما تبقى أسماؤهم بعيدة عن قوائم الشهرة ومقاعد الاحتفاء.
إنهم جميعًا قناديل تضيء الطريق للآخرين وهي في الظل. لا تستمد قيمتها من الأضواء المسلطة عليها، بل من النور الذي تبثه في حياة من حولها، ومن الأثر الذي تتركه في النفوس.
والمؤلم أننا كثيرًا ما نعتاد وجود هؤلاء حتى نظن أن ما يقدمونه أمرٌ معتاد، فنغفل عن تقديرهم، ونتأخر في الالتفات إلى مكانتهم، حتى يفاجئنا الغياب، فنكتشف حجم الفراغ الذي تركوه، وندرك أن أجمل النعم كانت أقرب إلينا مما كنا نظن.
لذلك فإن الأثر لا يُقاس بمقدار الظهور، ولا تُصنع القيمة بكثرة الأضواء. فليس كل من يقف في دائرة الضوء صاحب أثر، وإنما أصحاب الأثر الحقيقيون هم أولئك الذين يقفون في الظل ويضيئون حياة الآخرين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق