24‏/08‏/2026

اكتشاف متأخر

 لعل الكثير منا يتعجل في رؤية نتائج كل ما يقوم به، وهو الذي تأخر كثيرًا في اكتشاف ما لديه من كمّ هائل من (طرق التعامل مع الحياة والناس، المهارات، المفردات، الأفكار المنطقية والقابلة للتطبيق، القناعات التي يمكن أن تتبدل… وغير ذلك).

إذ إن الإنسان لا يتأخر في تعلم مهارة، ولكنه يتأخر في اكتشاف تلك المهارة، وأن لديه القدرة على صقلها وتطويرها وتطويعها أيضًا. ولا يعني هذا أن نندم على تأخرنا في الاكتشاف، فربما لم يحن الوقت لذلك، ولا يجب أن تتوقف سويعاتنا البيولوجية عن الاكتشاف والبحث والتطوير.

نعم، هناك أشياء كثيرة كان يجب أن نتعلمها مبكرًا، نتأخر كثيرًا في اكتشافها، وبعد فوات الأوان تبدو لنا كالمستحيل، ونحن من فرّط في إمكانية تحقيقه وتجسيده واقعًا ملموسًا؛ كأن نغفل عن أننا نمتلك القدرة على كتابة نص استثنائي، أو رسم لوحة مذهلة، أو حفظ عدة أجزاء من القرآن، أو حتى العمل على صقل مهارة مهملة تغفو في الجانب المظلم من الإهمال أو الخجل، وقد نتجاهل مقدرتنا على اكتشاف استطاعتنا على خلع جلابيب التبعية والانقياد لمن لا تتفق أفكارنا معه.

الحياة بتقلباتها، والأيام بتحولاتها، تضخ لنا الكثير مما نتعلمه، ولكن هناك الكثير والكثير من الأشياء التي تأخرنا جدًا في اكتشافها وتعلمها كقيمة أو مهارة؛ كأن نتعلم كيف نتجاوز ماضيًا مؤلمًا وقاسيًا، أو كيف لنا أن نتعايش مع الآخرين دون أن نهلك أنفسنا في محاولة إرضاء المتعجرف منهم، أو حتى أن نقتنع بأن ممارسة الرياضة المناسبة وقاية وليست رفاهية أو بذخًا، وأيضًا أن ما نخسره على مظهر زائف لا بد أن يسحب منا قيمة معنوية مع القيمة المادية، وأنه قد نقع في فخ كنا نعتقده فرصة سانحة، وغير ذلك.

إذن، تأخرنا في التعلم والاكتشاف له ثمن باهظ يستقطع من مكاسبنا الحياتية وقيمنا التي نؤمن بها، ثم إن الأهم من ذلك، وبعد اكتشافنا المتأخر، ماذا نفعل بعد الاكتشاف؟ إذ إنه من المستحيل أن نعود للأمس لنختار كيف نعيش اليوم، ونتصالح مع واقعنا بما يليق به.

11‏/08‏/2026

اعتياد النعم


لم يُخلق الإنسان طمّاعًا جشعًا، لكنها طباع مكتسبة قد تنمو وتكبر معه حتى تصبح سمةً تميّزه، وقد يكتشف يومًا أنها لا تليق به، فيجتهد في التخلص منها واستبدالها بالرضا والقناعة.

ولعل ما يُسهم في تضخّم هذه الطباع اعتياد النعم أكثر مما ينبغي؛ فما عادت تدهشنا الأشياء الجميلة، ولا حتى التفاصيل الصغيرة التي كانت في وقتٍ ما مصدرًا لفرحنا وامتناننا.

لقد أفقدنا اعتياد النعم استشعار قيمتها، فلم نعد نخشى زوالها، وكأنها أمرٌ مسلّم به، لا منحة تستحق الشكر. بل أصبح بعضنا يراها كما يراها الجاهلون: عاداتٍ وتقاليد، فيسيء استخدامها بعد أن ألِف وجودها.

فصاحب المنصب قد يظن أن منصبه يمنحه الحق في إذلال الآخرين، متناسيًا أن المنصب لو دام لغيره ما وصل إليه.

والبعض يغفل أن الصحة لا تدوم، فيُلقي بنفسه إلى مهالك الإسراف في كل شيء.

وهناك من يستهلك فراغه في اللهو واللعب، دون وعي بقيمة الوقت، وكأن الغد مضمون، متناسيًا أن الفراغ نفسه نعمة قد لا تتكرر.

ومن اعتاد الأمن والأمان قد لا يدرك أن معه في هذا الكوكب آخرين يتمنون لو يبيتون ليلة واحدة هانئة، بلا خوف أو وجل.

حتى كلمات الحب والامتنان والاعتذار اعتدنا تأجيلها، حتى تأتي الأيام بمفاجآتها المؤلمة، فنحنّ إلى لحظة تمنّينا فيها لو أننا قلنا لمن يستحقها ما كان ينبغي ألّا نؤجله.

لسنا نعاني قلة النعم أو ندرتها، ولكننا وبكل مرارة اعتدناها حتى فقدت وهجها وبريقها في أعيننا وقلوبنا، فلا نعرف قيمتها إلا حين نفقدها.

هي بين أيدينا الآن؛ فلننظر إليها وكأننا نراها للمرة الأولى، ولنحذر أن يفسدنا اعتيادها وكثرتها، فنفقد معها لذّة شكرها، ونعمة دوامها.


03‏/08‏/2026

ما يُحدث الفرق


قد يعتقد البعض أننا بحاجة إلى أن نفعل شيئًا لنتغير، ونغيّر بعض أفكارنا وقناعاتنا وما كنا نؤمن به، ولكن هناك أشياء تحدث دون سعيٍ منا، فتُحدث الفرق في أنفسنا وأفكارنا، وأحيانًا في المسار الذي كنا نخطط لحياتنا.

قد يأتي التغيير الذي ننشده، أو حتى الذي لا نرغبه، بأبسط الصور؛ كلمة، أو موقف، أو خيبة أمل، أو كتاب، أو انتظار طويل، ليعيد تشكيل شخصياتنا من جديد.

فهذه الأحداث التي تفرضها الأيام والسنوات هي التي من شأنها أن تُسيّر دفة أفكارنا، وتمحو كثيرًا مما كنا نراه الأفضل، وتستبدله بما لم نكن نتوقعه، أو حتى نرغب فيه.

إذ إن أسباب حدوث الفرق قد تأتي في صور متعددة، وغالبًا ما تحدث بلا قرار قوي اتُّخذ مسبقًا، ولا خطة أُعدّت تنتظر التنفيذ. فما كنت تراه يومًا مثالًا لا يمكن المساس به، قد يصبح أثرًا من الماضي، فتلتفت إليه بعد حين، فتراه ذكرى قد تضحكك، وقد تبكيك.

إن الأحداث الصغيرة التي تقع خلال يومك هي نقاط تحول في حياتك دون أن تدرك. وقد تكون الفاصل بين ما كنت تريده، وما أصبحت عليه الآن. فكثيرٌ منا يرسم طريقًا لحياته، ويتمنى أن يسير عليه ليصل إلى مبتغاه، ثم يأتي حدث واحد يغيّر اتجاه ذلك الطريق، فيتبدل مسار الحياة بأكمله، ليكتشف الإنسان أن ما حدث، وما كان يظنه عشوائيًا، كان هو الأصلح له.

ثم إن الأحداث تتكرر مع كثير من الناس، وتتشابه في تفاصيلها، لكنها تختلف في أثرها، وفي قدرة كل شخص على التعامل معها، وتطويعها، والاستفادة منها، بدلًا من محاولة عكس اتجاهها، والإصرار على الاستمرار في الطريق نفسه، حتى وإن كانت نتائجه النهائية قد خذلته.

وفي الحقيقة، هناك كلمة لا يتذكرها قائلها، فلا يلقي لها بالًا، لكنها غيّرت عمرًا كاملًا، وبدّلت قناعةً متجذرة في الأعماق. وهناك خيبة مؤطرة بالآلام والأوجاع، ظنناها نهاية، فإذا بها بداية مختلفة صبغت أيامنا بالجمال. وهناك انتظار طويل تذمرنا منه، لكنه علّمنا ما لم تعلمنا إياه السنوات السريعة. وهناك كتاب طوينا صفحاته، لكنه فتح في داخلنا أبوابًا لم نكن نعلم بوجودها، وغير ذلك الكثير مما يمكنه أن يُحدث الفرق في حياتنا.

ولعل أجمل ما نتعلمه مع الأيام أن الفرق الذي يحدث معنا لا تصنعه الأحداث الكبيرة وحدها، بل قد تصنعه كلمة عابرة، أو انتظار طال، أو خيبة أيقظت فينا ما كان نائمًا. وما علينا إلا أن نمتلك الوعي الكافي لالتقاط أثر تلك اللحظات؛ لأنها قد تكون البداية التي لم نكن نبحث عنها، لكنها كانت الطريق الذي احتجناه فعلًا.

ويبقى علينا أن نتحلى بالوعي تجاه ما ينبغي أن نفعله حيال كل موقف عابر، أو كلمة تستقر في قلوبنا قبل آذاننا، أو لحظات انتظار لم نلتفت إليها وهي تنتقص من أعمارنا؛ فكل ذلك هو ما يحدث الفرق. 


جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان