06‏/09‏/2026

حديث المرايا


قلّما يمرّ يومٌ دون أن ننظر في المرآة، نتفقّد فيها سحنات وجوهنا، ننظر في أعيننا وشفاهنا وتقاسيمنا ووو…، ولكننا لا نعلم أنها هي الشاهد الصامت على علاقتنا بأنفسنا.

المرآة واحدة، وإن تعددت أشكالها، ولن تمنحك العديد من الوجوه المختلفة في كل مرة؛ لك وجه واحد تخرج به للناس، مهما حاولت أن تخفي بعضًا مما لا يعجبك فيه. أحيانًا تتحدث إلى المرآة بصوت داخلي لا يسمعه سواك، تودّ لو أعانتك على تعديل ما لا يعجبك، ولكن هل فكرت يومًا أن تستمع إلى حديث المرايا؟ لو تحدثت لنا المرايا، ماذا عساها أن تقول؟

ستتحدث بعمق وصدق ووضوح، دون مواربة أو مجاملة. المرآة أصدق من أي أحد يمكنه أن ينقل لك الحقيقة المغيّبة عنك بمحض إرادتك.

ستقول لك إن العمر يمضي، وإن الأيام تبصم لك على تفاصيل وجهك، وتضعك أمام نفسك: ماذا قدمت لها؟

المرآة لن تتحدث عن جمال عينيك وصفاء بشرتك ولمعان شعرك، بل ستتحدث بكل صدق وشفافية، فتقول لك إن عيوبك التي تخفيها ما كان لها أن تكبر لو واجهتها وعملت على تسويتها وتهذيبها.

ستقول لك المرآة: ليس من المهم أن تتفقد وجهك وما طرأ عليه، بل الأولى أن تنظر إلى قلبك بكل أمومة ممكنة، لترى ما أحدثت فيه من ندبات كنت في غنى عنها لو تعاملت بحكمة ورويّة.

ستقول لك المرآة: تخطئ حين تثق بي وأنا أعكس لك صورتك المحسّنة، وما حلّ بوجهك من تغيّر، من يثبت لك أن كل شيء إلى زوال، عدا قيمك؟ وتتناسى ما أشعرتك به بمقدار النضج الذي وصلت إليه، وإن قد آن الأوان لأن تهدئ من رتم تسارعك ومجاراة مُحدثات الأمور، حتى وإن لم تتوافق مع مبادئك.

ستقول المرآة: أنت لا تخشى التجاعيد حين تزحف إلى وجهك؛ فهذا أمر طبيعي، ولكنك تخاف نظرة الناس لك، وكأنك أنت، وبمحض إرادتك، من فعل ذلك بك.

ستقول لك المرآة بشفقة: لا تسألني كل صباح: كم بقي من جمالك؟ ولكن اسألني: كم بقي منك أنت؛ روحًا وعقلًا وإيمانًا؟

دع المرآة تعكس نظرتك إلى نفسك، وليس فقط صورتك. انظر لها بعمق ونضج.

المرايا، حتى وإن اختلفت أشكالها وأماكنها، حديثها واحد لا يتغير؛ لن تقلب صورتك أبدًا، ولن تجمّلها أو تعبث في تفاصيلك فسادًا. أنت هو أنت. كن صادقًا مع نفسك كما تصدق معك المرآة، وتحدث إليها أنت وكأنك تتحدث إلى نفسك، ودعها تعكس جمال روحك وعمقك ونضجك، دون خوف مما فعلته الأيام بك.


ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان