23‏/01‏/2026

عافيتك النفسية

إنَّ ثمن الإنجاز حين يُدفع من صفاء النفس واستقرارها يكون باهظًا، وقد يكون غير مسترد إذ حين  نعيش في مجتمعات تُقدِّس الإنتاجية وتُعلي من قيمة العمل والإنجاز على حساب صحة الإنسان النفسية فإننا بلا أدنى شك نخسر هذا  الإنسان . إن رفاهية بعض المجتمعات  تبدو ظاهرةً في جماليات صامتة، كالمباني الشاهقة وناطحات السحاب والطرقات العملاقة، لكنها تُخفي خلفها مظاهر الإرهاق النفسي والتشتت.

كثيرون يعملون بلا توقف، ويحققون إنجازات كبيرة، مستنزفين معها قواهم وعافيتهم، فيدفعون الثمن من صحتهم النفسية، ومن علاقاتهم الأسرية والاجتماعية. ومع مرور الوقت تضعف الروابط، ويقل الإحساس بالراحة، وتزداد المشكلات مثل الجريمة، والطلاق، والعزلة، وأحيانًا اليأس والقنوط، والأنانية، والإهمال، والتفكك، وقد يصل الأمر إلى الانتحار حين يجتمع الضغط النفسي مع ضعف الإيمان. ويدفع أفراد الأسرة، وخاصة الأطفال، ثمن هذا كله، حين تفقد النفس قيمتها، وتغيب مكانة الأسرة، ويعود ذلك إلى الانشغال المفرط بالأداء العالي والإنتاجية حدّ الهوس.

إن الأداء العالي الذي يقضي على العافية النفسية لا يعني أبدًا التخلي عن حقوق النفس والأسرة والمجتمع، كما لا يعني التفريط في واجبات العمل أو الإخلال بالأمانة والإخلاص والتفاني. فالانشغال المفرط بالأداء والإنتاجية لا يعبّر عن النجاح الحقيقي، إذ لا ينبغي أن يكون الأداء العالي على حساب النفس، ولا الأسرة، ولا المجتمع، بل يجب أن يكون متوازنًا يحفظ للإنسان عافيته وكرامته واستقراره.

وحين يطغى هاجس الإنجاز على حقوق النفس ، ينتفي التفكير السليم والمنطقي، وتضعف القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة، ويغدو العقل مبرمجًا على سؤال واحد: كيف أنجز؟ وكيف أنتهي؟ بينما التوازن مطلب للنفس قبل الجسد، فلا يجوز أن يطغى الانغماس في العمل على حق العقل والجسد في الراحة والسكينة.

وأخيرًا .. ربما لا نحتاج لأن ننجز أكثر، بقدر ما نحتاج أن نعيش بوعي وإدراك.

جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان