11‏/02‏/2026

خوف يسرق النهايات

تعودنا أن نخاف من أشياء كثيرة؛ الموت، المرض، الفشل، وغير ذلك كثير.

كلها مخاوف قد تُحدث في أنفسنا الكثير حين لا نستطيع التكيف معها أو التقليل من آثارها بعد معايشتها، وكثير من هذه المخاوف لا نستطيع ردّها؛ إذ هي قدر محتوم.

لكن هناك أشياء نستطيع أن نتخلى عنها قبل أن تكتمل بمحض إرادتنا، إما بسبب مخاوف لا أساس لها من الصحة، أو لأننا نقبع في محطات الانتظار مترقبين لحظة مثالية نُكملها فيها بحثًا عن الكمال، أو لأسباب أخرى. وهذا لا يُسمّى خوفًا بقدر ما هو هروب.

لماذا نتخلى عن مشاريع حياتية أو علاقات بدأت جميلة وكان يمكن أن تستمر، إلا أننا انسحبنا قبل أن تكتمل وتبدو لنا معالمها واضحة؟

ثم نعود بعد سنوات فنراها من بعيد ونتألم لعدم اكتمالها، متجاهلين أن الاكتمال لا يأتي إلا بالاستمرار وتكرار المحاولات.

هل سيطر علينا الخوف من الفشل حتى لم نعد ندرك أن لا يأس مع الحياة؟

إن التخلي عن الأشياء قبل اكتمالها لا يُلغي أسباب التخلي، بل يؤجلها، ثم تعود على هيئة ندم، وربما ألم ومرارة.

لا ينبغي أن نتخلى عن مشاريعنا، ولا عن علاقاتنا، ولا عن أحلامنا قبل أن تكتمل. ولا أن نؤجل الإنجاز بدعوى الخوف أو انتظار اللحظة المثالية؛ فالتعايش مع الصعوبات هو ما يقودنا ويدفعنا بقوة نحو الإكمال.

لسنا ضعفاء لأننا نخاف، فالخوف جزء من فطرتنا.

لكن الضعف الحقيقي أن نمنح الخوف زمام قراراتنا؛ أن نغادر حلمًا لأنه ارتجف قليلًا، أو ننسحب من علاقة لأنها لم تعد تشبه البدايات.

كثير مما تخلّينا عنه لم يكن يستحق الرحيل، بل كان يحتاج صبرًا أطول، وإيمانًا أقوى بجدواه، وشجاعة تمضي دون تردد.

نغادر قبل الاكتمال، لا لأن الطريق انتهى، بل لأننا خفنا من مواصلة السير فيه.

ثم نكتشف متأخرين أن الألم الذي هربنا منه أهون من ألم الندم حين ننظر إلى الوراء.

ربما لن ننجو دائمًا من الخسارة، لكننا نستطيع أن ننجو من حسرة التخلي المبكر عن كل ما هو جميل.

فليس كل ما يُخيفنا يستحق أن نتركه، وليس كل ما لم يكتمل كان فاشلًا؛ بعض الأشياء فقط لم نمنحها فرصة الحياة، وأغلقنا أمامها مصدر الضياء، فماتت قبل أن تكتمل.




02‏/02‏/2026

منهج الحياة

نمضي في دروب الأيام كما يمضي المسافر في طريقٍ لا يدري متى تنتهي ملامحه؛ نعبر محطةً تلو أخرى، ونقلب أفئدتنا حيث نشاء، مطمئنين إلى أن النهاية بعيدة… مع أنها أقرب مما نظن.
نوقن أن للرحلة نهاية، لكننا نغفل عن سؤالٍ مصيري: بأي حال نصل؟
نركض ونسابق الوقت، ولكلٍّ منا وجهة تشغله، وهدف يستنزف عمره.
منّا من أدرك حلمه، ومنّا من لا يزال يلهث خلف حلمٍ مؤجَّل، ومنّا من استسلم للفراغ؛ فلا حلم ولا غاية.
لكن الجميع، على اختلاف طرقهم ومشاربهم  سيلتقون عند محطةٍ واحدة لا تتبدل ولا تتأخر.
فما الزاد الذي أعددناه لذلك اللقاء؟
في الطريق تتراكم الذنوب، وتُثقل الخطايا القلوب، وتغشى الغفلة الأرواح؛
ذنوب بجهل، وأخرى بتهاون، وثالثة بإصرار… حتى يثقل الحمل ويطول المسير.
فكيف نرسم منهج لحياتنا طريقًا لا يضل؟
لقد دلّنا الله، تبارك وتعالى، على الزاد الذي لا ينفد، فقال:
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾
التقوى…
كلمة قصيرة، لكنها ملاذ السائرين حين تتشعب الطرق، ونور الحائرين حين تشتد الظلمات.هي الرفيق الذي لا يخون، والزاد الذي لا يثقل، والدليل الذي لا يضل.
وحين تمر بنا المحطات، لا بد أن نسأل أنفسنا بصدق:
كم عبرنا؟
وماذا تركنا خلفنا؟
وماذا نحمل معنا؟
أزادنا يكفي لطريقٍ لا ينتظر المترددين، ولا يرحم الغافلين؟
إن تقوى الله ليست مجرد وعظ يُسمع، بل منهج حياة يُعاش، وسند لا يخيب من أحسن الاعتماد عليه.
هي البصيرة التي تُبقي القلب حيًا، والخشية التي تهذّب الخطى، والطاعة التي تقود إلى السلام.
طوبى لمن جعل تقوى الله زاده، ومضى بها ثابتًا، حتى بلغ المحطة الأخيرة بقلبٍ سليم.
جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان