تحمل بين جنبيك نفسًا عزيزة، خُلِقَت لتسمو بالاستقرار وترتقي بالسكينة، فليس من المنطقي أن تجعلها رهينة لانفعالات عابرة، أو أسيرة مواقف متباينة تستنزف صفاءها وتبعثر طمأنينتها.
تتجلى مظاهر خسارة النفس في صور متعددة كالعزلة والانطواء، والتقوقع، والانحراف عن المسار الصحيح، والاستسلام للسلبية. وكلها مؤشرات خفية تبدأ صغيرة، لكنها إن أُهمِلَت كبرت حتى تلتهم الإنسان من الداخل.
تتنوع الخسائر في حياة الإنسان بين مادية ومعنوية، وغالبها يمكن تعويضه أو التعايش معه، غير أن هناك خسارة واحدة لا يمكن تعويضها على الإطلاق: خسارة النفس؛ فهي الخسارة التي لا جبر لها، ولا بديل عنها.
نخسر أنفسنا حين نغفل عن الحقيقة الكبرى: أن للحياة نهاية محتومة، وأننا محاسبون على الصغائر قبل الكبائر، في يومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون. وتلك أعظم الخسائر وأفدحها، إذ لا تعويض ولا تراجع إلا برحمة الله ومشيئته.
ونخسر أنفسنا حين نظن أننا أحسنا الاختيار، بينما نتخبط في الطرق؛ فلا نسلك سبيلًا مستقيمًا نحو غايتنا، ولا نملك وضوح الرؤية ولا ثبات الوجهة.
نخسر أنفسنا حين نرفع سقف توقعاتنا في أشخاص لا يتورعون عن خذلاننا، ولا يكترثون لأثر أفعالهم فينا، بل يتركون في قلوبنا ندوبًا لا تبرأ.
ونخسر أنفسنا حين نسعى إلى ألا نخسر الآخرين، فنؤخر ذواتنا، ونتذيل قائمة الأولويات في العناية بالنفس والروح، فنساير ما لا يشبهنا، ونتنازل عمّا لا يتوافق مع قناعاتنا، ونُقايض سلامنا الداخلي بعلاقات هشّة لا تستحق.
وحين نخسر أنفسنا، فإننا كمن يحكم على ذاته بالانطواء المؤبد؛ فيعتزل الحياة، ويكتفي بالحد الأدنى من السعادة إن وُجدت، بل يقبل أن يؤطر روحه في مربع ضيق من الحسرة والندم، ويجعلها عرضة للانحراف عن طريق الإيجابية، مستسلمًا للسلبية القاتلة.
عد إلى نفسك العزيزة قبل أن تفقدها، وأنقذها من براثن الخسارة والحسرة والندم، ارتقِ بها هامات السمو واعتنِ بها جيدا فأثمن ما تملك في هذه الحياة… أنت.