22‏/12‏/2025

خسارة النفس

تحمل بين جنبيك نفسًا عزيزة، خُلِقَت لتسمو بالاستقرار وترتقي بالسكينة، فليس من المنطقي أن تجعلها رهينة لانفعالات عابرة، أو أسيرة مواقف متباينة تستنزف صفاءها وتبعثر طمأنينتها.

تتجلى مظاهر خسارة النفس في صور متعددة كالعزلة والانطواء، والتقوقع، والانحراف عن المسار الصحيح، والاستسلام للسلبية. وكلها مؤشرات خفية تبدأ صغيرة، لكنها إن أُهمِلَت كبرت حتى تلتهم الإنسان من الداخل.

تتنوع الخسائر في حياة الإنسان بين مادية ومعنوية، وغالبها يمكن تعويضه أو التعايش معه، غير أن هناك خسارة واحدة لا يمكن تعويضها على الإطلاق: خسارة النفس؛ فهي الخسارة التي لا جبر لها، ولا بديل عنها.

نخسر أنفسنا حين نغفل عن الحقيقة الكبرى: أن للحياة نهاية محتومة، وأننا محاسبون على الصغائر قبل الكبائر، في يومٍ لا ينفع فيه مال ولا بنون. وتلك أعظم الخسائر وأفدحها، إذ لا تعويض ولا تراجع إلا برحمة الله ومشيئته.

ونخسر أنفسنا حين نظن أننا أحسنا الاختيار، بينما نتخبط في الطرق؛ فلا نسلك سبيلًا مستقيمًا نحو غايتنا، ولا نملك وضوح الرؤية ولا ثبات الوجهة.

نخسر أنفسنا حين نرفع سقف توقعاتنا في أشخاص لا يتورعون عن خذلاننا، ولا يكترثون لأثر أفعالهم فينا، بل يتركون في قلوبنا ندوبًا لا تبرأ.

ونخسر أنفسنا حين نسعى إلى ألا نخسر الآخرين، فنؤخر ذواتنا، ونتذيل قائمة الأولويات في العناية بالنفس والروح، فنساير ما لا يشبهنا، ونتنازل عمّا لا يتوافق مع قناعاتنا، ونُقايض سلامنا الداخلي بعلاقات هشّة لا تستحق.

وحين نخسر أنفسنا، فإننا كمن يحكم على ذاته بالانطواء المؤبد؛ فيعتزل الحياة، ويكتفي بالحد الأدنى من السعادة إن وُجدت، بل يقبل أن يؤطر روحه في مربع ضيق من الحسرة والندم، ويجعلها عرضة للانحراف عن طريق الإيجابية، مستسلمًا للسلبية القاتلة.

عد إلى نفسك العزيزة قبل أن تفقدها، وأنقذها من براثن الخسارة والحسرة والندم، ارتقِ بها هامات السمو واعتنِ بها جيدا فأثمن ما تملك في هذه الحياة… أنت.

10‏/12‏/2025

ثقافة الهدوء

ممارسة الهدوء مهارة وسلوك واعٍ، وليست حالة نفسية عابرة أو طبعًا ثابتًا لا يتغيّر. فالضجيج والهدوء خطان متوازيان في حياتنا؛ بين من تستفزّه الأجواء الصاخبة، ومن يعشق الهدوء الذي قد يمتد إلى صمتٍ يراقب من بعيد. ولا يعني ذلك أن صاحب الهدوء أقل تأثيرًا أو حضورًا، فالتأثير الحقيقي لا يُقاس بالضجيج، بل بما يقدّمه الإنسان بثبات واتزان ووقار.

الهدوء ليس سلبية ولا استسلامًا، بل هو مستوى عالٍ من الوعي والإدراك، وقدرة على تقدير المواقف وتمييز ما يستحق التفاعل مما يمكن تجاوزه. وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتزاحم المعلومات من كل اتجاه، نحتاج - أكثر من أي وقت مضى - إلى الهدوء الإيجابي الذي يحفظ توازننا النفسي، ويصون تركيزنا، ويعيننا على اتخاذ قرارات صائبة وناضجة، ويرتقي بطريقة إدارتنا للحوار. فالتعامل بروية وهدوء دليل احترام للخصوصية، وبعد عن التسرع، وارتفاع في مستوى الإصغاء، وهو ما يخفف من سوء الفهم ويزيد الثقة بالنفس، فضلًا عن مكاسب عقلية وجسدية كثيرة.

كثيرون يعانون من الضجيج، سواء داخل الأسرة أو على مستوى المجتمع بما تموج به وسائل التواصل من معلومات متضاربة وإشاعات. وهنا تبرز الحاجة إلى تعلم مهارات الاستماع والتأمل، وترويض النفس على الصبر وضبط الانفعالات، وتعزيز قيمة الوقار والسكينة، وتخصيص أوقات للعزلة الحميدة لممارسة أنشطة بسيطة كالقراءة أو المشي.

وأخيرًا… جرّبوا أن تعيدوا ترتيب أنفسكم من الداخل، وأن تمنحوها مساحات من الهدوء والسكينة والتأمل. ففي داخل كلٍ منا ضوء لا يكتمل إشراقه إلا حين نمنحه فرصة للصمت والراحة.

02‏/12‏/2025

فن التراجع

هل التراجع أقوى من الاستمرار؟ أم أن الاستمرار في أي أمرٍ كان ضعفا أو مكابرة؟

تظهر قيمة التراجع حين نتراجع عن خطأ في حقّ أحد، أو قرار، أو علاقة سامة، أو فكرة نكتشف أنها لا تناسبنا ولا تتماشى مع معتقداتنا وقناعاتنا وأفكارنا، بل ومع كل ما يعيق تغيّرنا نحو حياةٍ أجمل.

في لحظةٍ ما يتوقف الإنسان عن الركض خلف ما ظنّ أنه يريده، ويقف أمام نفسه وجهًا لوجه ليتساءل:

لماذا ما زلتُ أحمل ما أثقلني؟ ولماذا أتشبّث بما لم يعد يشبهني؟

هنا تتجلّى قيمة التراجع؛ ذلك الفعل الذي يبدو في ظاهره انسحابًا، لكنه في حقيقته بداية العودة إلى الذات وتوقّفٌ شجاع عن الاستمرار في طريقٍ اكتشفنا أنه خطأ.

التراجع ليس ضعفًا، بل قد يكون قمة الشجاعة حين نعترف به لأنفسنا.

فنحن أحيانًا نستمر في حمل ما يرهقنا فقط لأنه مألوف: عادات اعتدناها، وأدوار لعبناها، وطرق سرنا فيها سنوات طويلة، رغم أنها لم تمنحنا سوى المزيد من الإنهاك وضبابية الرؤية.

لكن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في المواصلة دون وعي، بل في أن نقف ونقول بصدق: كفى.

فخطوة واحدة إلى الخلف قد تنقذنا من سنواتٍ من التيه، وتعيد إلينا توازنًا افتقدناه طويلاً.

وعندما نتراجع، فإننا نمنح أنفسنا فرصة للتعافي والشفاء والعودة إلى الطريق الصحيح؛ كأننا نعود إلى حضن الأم، حيث الدفء والحنان والأمان.

وعندما توقف علاقة تستنزفك، أو عادة تسرق سلامك، أو عملاً لا يضيف لوجودك قيمة، فأنت لا تهرب، بل تحمي نفسك وتعيد ترتيبها من الداخل، لتعيش بسلام بعيدًا عن الحزن والضغط.

وعندما تتراجع عن خطأ ارتكبته في حقّ نفسك، فأنت تمنح ذاتك رسالة واضحة:

أنا أستحق الأفضل، ولن أسمح لأي شيء أن يُبدّد استقراري النفسي وهدوء روحي.

التراجع ليس اعتزالًا للآخرين، بل هو عودة إلى النفس بعد غياب طويل.

وهو نافذة للرؤية حين تحجبها الفوضى وتداخل الأمور.

فعندما نتراجع، نكون كمن ينفض الغبار العالق في الجو، فنرى الطريق بوضوح أكبر، وندرك أن بعض الأشياء التي ظنناها ضرورية لم تكن سوى أعباء قديمة نحملها بلا جدوى.

ونكتشف أيضًا أن طرقًا جديدة كانت تنتظرنا، لكنها لم تتضح إلا عندما اتسعت دائرة الضوء أمامنا.

فالتراجع ليس نهاية الرحلة، بل إعادة رسم مسارها من جديد.

إنه أجمل اعتذار نقدّمه لأنفسنا:

اعتذار عن الصبر فوق طاقتنا، وعن السير في طرق لم نخترها، وعن إسكات صوتٍ بداخلنا كان يهمس دائمًا: "حان وقت تصحيح المسار"

وحين نستجيب لذلك الصوت، نتعلم أن نصغي إلى احتياجاتنا، وأن نحبّ أنفسنا، حتى لو كان ذلك يعني ترك ما اعتدنا عليه.

فالتراجع هو نقطة البداية لانطلاقة أجمل نحو حياةٍ أكثر أمانًا واستقرارًا.


21‏/11‏/2025

حياتنا والأحداث

هل الأحداث تشكّل حياتنا؟ 

منذ لحظة ولادتنا والحياة تمطر علينا أحداثها، بعضها صغير يمرّ بخفة لا ننتبه إليه، وبعضها كبير يهزّ أعماقنا، ولا ندرك أثره إلا عندما نلتفت خلفنا فنرى كم تغيّرنا دون أن نشعر.

ومع مرور الأيام نظن أننا نصنع ذواتنا من الداخل وحدنا، بينما نغفل أن الأحداث كثيرًا ما تعيد تشكيلنا وتصنع فينا فروقًا عميقة.

ليس غريبًا أن ترى إنسانًا كان قبل حدثٍ ما شخصًا، وبعده بمدة يصبح شخصًا آخر تمامًا، فتتساءل: ما الذي غيّره؟

الجواب ببساطة: الأحداث صاغته.. حين اختار أن يتغير.

فالأحداث، بحزنها وسعادتها، بقسوتها ولطفها، تترك علامات واضحة في شخصياتنا، وتغيّر طريقة تفكيرنا وتعاطينا مع الحياة.

فمن تعرّض لصدمة خيانة من أقرب الناس إليه قد يفقد ثقته بالآخرين ويحمّل قلبه ثقل الحذر والريبة.

ومن فقد عزيزًا، قد يغيّره الألم حتى لا يعود ذاك الشخص الذي عرفه الجميع.

ومن عاش الحرب والدمار تتلبّسه القسوة ويغيب عنه معنى الأمان.

ومن نجا من مرضٍ طويل يفيض قلبه بالرحمة والتقدير للتفاصيل الصغيرة.

ومن عاش حادثًا كاد يودي بحياته يستيقظ فيه وعي جديد يذكّره أن الحياة أثمن من أن تُستهلك في الغضب والصراعات.

وآخر قد تسحقه خيبات الفشل فيستسلم لها حتى يصبح عبئًا على نفسه ومن حوله.

وعلى النقيض، هناك من يحوّل الأزمات المالية أو الضغوط اليومية إلى منصّة انطلاق، يصعد منها بقوة ليبلغ هدفه.

إن الأحداث لا تملك وحدها سلطة تشكيلنا؛ نحن من نمنحها هذه السلطة. فقد يمرّ عشرة أشخاص بالحدث ذاته، ويخرج كل واحد منهم بملامح نفسية مختلفة.

ما يصنع الفرق هو اختيارنا الداخلي: كيف نقرأ ما حدث؟ وكيف نعيد بناء أنفسنا بعده؟


وهكذا تصنع بنا الحياة حين نسمح لها، وتغيّر مسارنا حين نغفل عن الحقيقة:

أن كل ما يجري هو بمشيئة الله، وأن الأحداث مجرد أسباب… أما ما بعدها فهو نحن، وما نختار أن نكونه.

21‏/10‏/2025

الامتنان في زمن السرعة

 

(حين يصبح الشكر أسلوب حياة في زمنٍ ينسى الجميل)


في خضم هذا التسارع العجيب في كل ما يلامس حياتنا وأحلامنا وحتى مشاعرنا، ومع طغيان الماديات 

وتوهّج مظاهر السرعة والتواصل التقني، وتزايد الضغوطات المتلاحقة على مستوى الأسرة والعمل، يبرز سؤال مهم:

هل لا زلنا نمتنّ لكل شيء جميل يُقدَّم لنا؟

ما سبب ضعف التقدير للمبادرات الإنسانية البسيطة؟

 ولِمَ لم يعد الشكر - بكل صوره وأشكاله - يعنينا؟

 هل تعوّدنا على النعم التي نتقلّب فيها ليلًا ونهارًا حتى فقدنا قيمة الامتنان والشكر؟

 هل ما زلتَ تشعر بالامتنان كثيرًا لشخص قدّم لك معروفًا فتقف لتقول له بكل ود: شكرًا؟

 وهل لا زلتَ تشعر بالفرح تجاه الأشياء الصغيرة جدًا التي تُقدَّم لك بكل حب؟

 أم أن تسارع هذا العصر قد أخذ منا قيمنا ومبادئنا، وأصبحت ثقافة الامتنان مهددة بالغياب والتآكل، بل وأصبحنا نرى أن ما يُقدَّم لنا حقٌّ مكتسب، فلا نتوقف أمامه بالشكر والثناء؟

 إن ثقافة الامتنان تكاد تتبلور في قوالبٍ جامدة من البرود واللامبالاة، مما قد ينعكس على شغفنا بتقديم الجميل للآخرين.

 فالامتنان دليل رقيّ وتحضّر، به تتآلف القلوب وتأنس الأرواح وتتوطد العلاقات، إذ إن الشخص الذي يقدّم امتنانه لصاحب المعروف يكون شخصًا متّزنًا، لبقًا، سمحًا، رقيق القلب، طيب النفس، لطيف المعشر.

 نعم، ربما لا نستطيع إيقاف تسارع الحياة، وربما لا يمكننا مواكبة إيقاع الأحداث، ولكن يمكننا أن نرتقي بسلوكنا، ونعوّد ألسنتنا على كلمات الشكر والامتنان، بل يمكننا أن نعزّز هذا السلوك في أطفالنا ونجعله أسلوب حياة.

 الامتنان في زمن السرعة والتسارع يصنع منك إنسانًا جميلًا، لن يعيبك أبدًا أن تبتسم في وجه عاملٍ بسيط، ولن ينتقص من قدرك شيء حين تُثني على مبادرة صغيرة قدّمها أحدهم، بل إن تواضعك وامتنانك لما يُقدَّم لك يرفعك ويرتقي بك.

 إن زرع ثقافة الامتنان والشكر ليس أمرًا اختياريًا، بل هو ضرورةٌ مُلِحّة تعيد إلى حياتنا الدفء والاحترام والتقدير، وتنمو معها علاقاتنا الإنسانية بصورةٍ سويةٍ وجميلة، فتزهر أرواحنا كما يزهر الشكر في القلوب الطيبة.

08‏/10‏/2025

جبر الخواطر

جبر الخواطر فنّ المسح على القلوب ومنحها الدفء، يتسلل من أرواحٍ تدثرت باللين والرفق، تجيد البذل بالكلمة والابتسامة دون قيدٍ أو شرط.

بيننا من تتحدر دموعهم بصمت، وبيننا من تنكسر نظراتهم فلا يجرؤون على رفعها، وبيننا من تضيق عليهم رحاب صدورهم، ومن لا يسمع أنينهم إلا آذانهم، فقد أنهكهم الهم وأخذ منهم الحزن كل مأخذ.

وبيننا من انشغل بذاته وملذاته، ونسي أو تناسى آلام الآخرين.

إنسانيتنا التي نتشدق بها اهترأت تحت وطأة اللامبالاة، إحساسنا بالآخر تبلّد ولم يعد كما كان! حين طغت الرفاهية والماديات على مظاهر الحياة، تضاءل فينا جبر الخواطر.

نعلم أن أحدهم يتألم، وبكل برود نُلقي مفردة تعاطفٍ بلهاء باردة، ثم نعود لممارسة اللا إحساس.

من لهؤلاء المساكين؟ من للمتألمين؟ من لأولئك الذين يعيشون داخل أنفسهم وكأنما حُكم عليهم بالمؤبد داخل بوتقة الوحدة والعزلة؟

أين من يمنح الشعور بالأمان ويترك الأثر الحسن الذي لا يُمحى؟

أين من يبذل الابتسامة في وقت الضيق والدعم حين اليأس؟

أين من يعيد الأمل في نفسٍ أنهكت، وقلبٍ يتألم، فيجبر كسره ويعيد له ثقته بأنه ليس وحيدًا؟

جبر الخواطر صورة من صور التراحم، وبعثٌ للدفء في القلوب، وربتٌ على الأرواح، بل هو دليلٌ محسوس على رقة القلب، وهو بمثابة الأجنحة الناعمة التي تعلو بالقلوب المتعبة إلى رحاب الراحة والطمأنينة، وتبعدها عن برودة الإحساس.

كلمةٌ لطيفة، أو زيارةٌ خاطفة، أو رسالةٌ قصيرة تعانق بصر أحدهم، أو ثناءٌ في حضور من لا يهتم لأمره، أو صدقة في السر، أو حتى دفاع مستميت عن مظلوم قد تُحدث الفارق في نفسه.

فحين ينحني القلب ليلتقط قلبًا آخر، لا شك أنه يصنع مساحاتٍ دافئة في ذلك القلب الحزين.

جبر الخواطر أجنحةٌ خفيةٌ ترمم القلوب المتعبة، فلا تبخل بجبر كسرها.

بقلمي/ جواهر الخثلان


17‏/09‏/2025

الذاكرة بين الحزن والشغف

 


يمتد الوقت بالذاكرة لعقود طويلة أحيانًا، فتختزن الكثير من المواقف والوجوه والأحداث، يتساقط بعضها بفعل التقادم وطغيان آفة النسيان، واستيطان أحداث مستجدّة وأشخاص قادمون أو حتى عابرون، يعلق في الذاكرة بعضها فلا يغادرك نهائيًا، لكنه يختبئ ليعود فيما بعد.
هل نستطيع إسقاط العقود الزمنية من الذاكرة بما علق فيها من ذكريات وأحداث؟ أي قدرة هذه يمكنها فعل ذلك؟ 
حين تتساقط الأسماء تباعًا من أعماق وجدانك، وينال التشويش من صفاء ذهنك، فتغدو الأحداث والمواقف مشوَّشة وغير واضحة المعالم، فلا تكاد تتبين بعض ملامحها، بل تكاد لا تلفتك الألوان التي صبغت أيامك بالسواد في عسر الليالي، والبياض والبهاء في أيام الفرح.
الذاكرة قد تشيخ حين تسمح لها بذلك، لا سيما وأنت تئن تحت وطأة الأسى والاستسلام له، فالحزن وحش كاسر ينشب مخالبه في قلبك وعمق روحك، ويفقدك الشغف لكل شيء، بل هو نصل سكين مغروز في صفاء النفس. فلا تحيا كما يجب وأنت تغفل عن حقيقة أن الحزن لا يعيد المفقود، بل يطمس معالم ماضٍ كنت تعيشه، وإن ظننت عكس ذلك.
لا عيب أن تخلع رداء الحزن المميت، فنفسك تحتاجك أكثر من أي وقت مضى، دعهم يرون وجهك المضيء وابتسامتك المشرقة، فهم بحاجة إليك قامة شامخة لا تنهار ولا تضعف، مارس حزنك داخليًا وفي وحدتك، فمن النبل أن تُبعدهم عن ضيق صدرك وآلامك، شاركهم تفاصيل الحياة، واحتفظ بحزنك داخل أعماقك، فالأيام لا تنتظر من أثقل خطاه بالبكاء والتوجع.

أرواحنا تشيخ بالحزن، فجدّد ذاكرتك وسيطر على معطياتها، وسِر بها نحو ما يمنحك الرغبة في الحياة والنجاح والإنجاز، وأسقط منها كل معوقات التقدّم إلى الأمام، فأنت تستحق أن تحيا بسعادة. 

                                                    بقلمي / جواهر الخثلان 

جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان