21‏/10‏/2025

الامتنان في زمن السرعة

 

(حين يصبح الشكر أسلوب حياة في زمنٍ ينسى الجميل)


في خضم هذا التسارع العجيب في كل ما يلامس حياتنا وأحلامنا وحتى مشاعرنا، ومع طغيان الماديات 

وتوهّج مظاهر السرعة والتواصل التقني، وتزايد الضغوطات المتلاحقة على مستوى الأسرة والعمل، يبرز سؤال مهم:

هل لا زلنا نمتنّ لكل شيء جميل يُقدَّم لنا؟

ما سبب ضعف التقدير للمبادرات الإنسانية البسيطة؟

 ولِمَ لم يعد الشكر - بكل صوره وأشكاله - يعنينا؟

 هل تعوّدنا على النعم التي نتقلّب فيها ليلًا ونهارًا حتى فقدنا قيمة الامتنان والشكر؟

 هل ما زلتَ تشعر بالامتنان كثيرًا لشخص قدّم لك معروفًا فتقف لتقول له بكل ود: شكرًا؟

 وهل لا زلتَ تشعر بالفرح تجاه الأشياء الصغيرة جدًا التي تُقدَّم لك بكل حب؟

 أم أن تسارع هذا العصر قد أخذ منا قيمنا ومبادئنا، وأصبحت ثقافة الامتنان مهددة بالغياب والتآكل، بل وأصبحنا نرى أن ما يُقدَّم لنا حقٌّ مكتسب، فلا نتوقف أمامه بالشكر والثناء؟

 إن ثقافة الامتنان تكاد تتبلور في قوالبٍ جامدة من البرود واللامبالاة، مما قد ينعكس على شغفنا بتقديم الجميل للآخرين.

 فالامتنان دليل رقيّ وتحضّر، به تتآلف القلوب وتأنس الأرواح وتتوطد العلاقات، إذ إن الشخص الذي يقدّم امتنانه لصاحب المعروف يكون شخصًا متّزنًا، لبقًا، سمحًا، رقيق القلب، طيب النفس، لطيف المعشر.

 نعم، ربما لا نستطيع إيقاف تسارع الحياة، وربما لا يمكننا مواكبة إيقاع الأحداث، ولكن يمكننا أن نرتقي بسلوكنا، ونعوّد ألسنتنا على كلمات الشكر والامتنان، بل يمكننا أن نعزّز هذا السلوك في أطفالنا ونجعله أسلوب حياة.

 الامتنان في زمن السرعة والتسارع يصنع منك إنسانًا جميلًا، لن يعيبك أبدًا أن تبتسم في وجه عاملٍ بسيط، ولن ينتقص من قدرك شيء حين تُثني على مبادرة صغيرة قدّمها أحدهم، بل إن تواضعك وامتنانك لما يُقدَّم لك يرفعك ويرتقي بك.

 إن زرع ثقافة الامتنان والشكر ليس أمرًا اختياريًا، بل هو ضرورةٌ مُلِحّة تعيد إلى حياتنا الدفء والاحترام والتقدير، وتنمو معها علاقاتنا الإنسانية بصورةٍ سويةٍ وجميلة، فتزهر أرواحنا كما يزهر الشكر في القلوب الطيبة.

08‏/10‏/2025

جبر الخواطر

جبر الخواطر فنّ المسح على القلوب ومنحها الدفء، يتسلل من أرواحٍ تدثرت باللين والرفق، تجيد البذل بالكلمة والابتسامة دون قيدٍ أو شرط.

بيننا من تتحدر دموعهم بصمت، وبيننا من تنكسر نظراتهم فلا يجرؤون على رفعها، وبيننا من تضيق عليهم رحاب صدورهم، ومن لا يسمع أنينهم إلا آذانهم، فقد أنهكهم الهم وأخذ منهم الحزن كل مأخذ.

وبيننا من انشغل بذاته وملذاته، ونسي أو تناسى آلام الآخرين.

إنسانيتنا التي نتشدق بها اهترأت تحت وطأة اللامبالاة، إحساسنا بالآخر تبلّد ولم يعد كما كان! حين طغت الرفاهية والماديات على مظاهر الحياة، تضاءل فينا جبر الخواطر.

نعلم أن أحدهم يتألم، وبكل برود نُلقي مفردة تعاطفٍ بلهاء باردة، ثم نعود لممارسة اللا إحساس.

من لهؤلاء المساكين؟ من للمتألمين؟ من لأولئك الذين يعيشون داخل أنفسهم وكأنما حُكم عليهم بالمؤبد داخل بوتقة الوحدة والعزلة؟

أين من يمنح الشعور بالأمان ويترك الأثر الحسن الذي لا يُمحى؟

أين من يبذل الابتسامة في وقت الضيق والدعم حين اليأس؟

أين من يعيد الأمل في نفسٍ أنهكت، وقلبٍ يتألم، فيجبر كسره ويعيد له ثقته بأنه ليس وحيدًا؟

جبر الخواطر صورة من صور التراحم، وبعثٌ للدفء في القلوب، وربتٌ على الأرواح، بل هو دليلٌ محسوس على رقة القلب، وهو بمثابة الأجنحة الناعمة التي تعلو بالقلوب المتعبة إلى رحاب الراحة والطمأنينة، وتبعدها عن برودة الإحساس.

كلمةٌ لطيفة، أو زيارةٌ خاطفة، أو رسالةٌ قصيرة تعانق بصر أحدهم، أو ثناءٌ في حضور من لا يهتم لأمره، أو صدقة في السر، أو حتى دفاع مستميت عن مظلوم قد تُحدث الفارق في نفسه.

فحين ينحني القلب ليلتقط قلبًا آخر، لا شك أنه يصنع مساحاتٍ دافئة في ذلك القلب الحزين.

جبر الخواطر أجنحةٌ خفيةٌ ترمم القلوب المتعبة، فلا تبخل بجبر كسرها.

بقلمي/ جواهر الخثلان


17‏/09‏/2025

الذاكرة بين الحزن والشغف

 


يمتد الوقت بالذاكرة لعقود طويلة أحيانًا، فتختزن الكثير من المواقف والوجوه والأحداث، يتساقط بعضها بفعل التقادم وطغيان آفة النسيان، واستيطان أحداث مستجدّة وأشخاص قادمون أو حتى عابرون، يعلق في الذاكرة بعضها فلا يغادرك نهائيًا، لكنه يختبئ ليعود فيما بعد.
هل نستطيع إسقاط العقود الزمنية من الذاكرة بما علق فيها من ذكريات وأحداث؟ أي قدرة هذه يمكنها فعل ذلك؟ 
حين تتساقط الأسماء تباعًا من أعماق وجدانك، وينال التشويش من صفاء ذهنك، فتغدو الأحداث والمواقف مشوَّشة وغير واضحة المعالم، فلا تكاد تتبين بعض ملامحها، بل تكاد لا تلفتك الألوان التي صبغت أيامك بالسواد في عسر الليالي، والبياض والبهاء في أيام الفرح.
الذاكرة قد تشيخ حين تسمح لها بذلك، لا سيما وأنت تئن تحت وطأة الأسى والاستسلام له، فالحزن وحش كاسر ينشب مخالبه في قلبك وعمق روحك، ويفقدك الشغف لكل شيء، بل هو نصل سكين مغروز في صفاء النفس. فلا تحيا كما يجب وأنت تغفل عن حقيقة أن الحزن لا يعيد المفقود، بل يطمس معالم ماضٍ كنت تعيشه، وإن ظننت عكس ذلك.
لا عيب أن تخلع رداء الحزن المميت، فنفسك تحتاجك أكثر من أي وقت مضى، دعهم يرون وجهك المضيء وابتسامتك المشرقة، فهم بحاجة إليك قامة شامخة لا تنهار ولا تضعف، مارس حزنك داخليًا وفي وحدتك، فمن النبل أن تُبعدهم عن ضيق صدرك وآلامك، شاركهم تفاصيل الحياة، واحتفظ بحزنك داخل أعماقك، فالأيام لا تنتظر من أثقل خطاه بالبكاء والتوجع.

أرواحنا تشيخ بالحزن، فجدّد ذاكرتك وسيطر على معطياتها، وسِر بها نحو ما يمنحك الرغبة في الحياة والنجاح والإنجاز، وأسقط منها كل معوقات التقدّم إلى الأمام، فأنت تستحق أن تحيا بسعادة. 

                                                    بقلمي / جواهر الخثلان 

14‏/06‏/2020

أمي والعيد




رابط الموضوع في صحيفة الرأي الإلكترونية..


https://alraynews.net/articles/6507174.htm



في كل عام كانت أمي تعد للعيد قبل أن يحط رحاله الزاهية في زوايا القلوب والأمكنة كانت أمي تخط عنوانه الباذخ بالجمال أرقا يبدو في عينيها .. نراه نحن تعبا وتراه هي أمومة وحب و فرح .
هذا العام يأتي العيد وقد استبدل جلبابه الفضفاض الموشح بالفرح بجلباب آخر لا يشبهه مطرز بكثير من شوق وحنين لِما كان في سالف الزمان ويخالطه خوف وقلق لما سيكون ..

أمي تسأل عن غياب الأحبة : أين هم ؟
تسأل عن مظاهر العيد واستعدادات العيد وتختنق الحروف وتموت الإجابة أعدك يا أمي لن يكون العيد بلا ألوان ولا ورود ولا ابتسامات ولا لُعَبْ أطفال .. أعدك يا أمي أن نتناسى وجع الفراق ونبتسم كما كنا وكنتِ ..
سنجعل دموع الفرح الموسمية وأصوات المهنئين حتى وإن كانت تعبر الأثير تقصر بها المسافات وتختزل ألم الفراق بوشوشة حنونة في آذاننا...
العيد يا أمي يأتي في ظرف إستثنائي ويقيننا يا أمي يقوى، وعزيمتنا تشتد، وآمالنا تتمدد أن نلتقي ونفرح ونسعد ولو بعد حين.

لم نحرم يا أمي الدعاء ولم نحرم من جنة البيوت الأنيقة بمن فيها من آباء وأخوة وابناء وبنات.
ولم نحرم يا أمي الأماني تنبت في قلوبنا وتكبر السعادة نحن من يصنعها يا أمي.
لا تغلبك الدموع يا أمي ابتسمي كما كنت تبتسمين ودموع الفرح بلقاء الأحبة تترقرق في مقلتيك فلا زلنا نسير بأرواحنا أحياء وتسبقنا قلوبنا لعناقهم، ابتسمي يا أمي ودعيني أشم رائحة الحنا في كفك فأزداد عشقا لكل ماض يقربني إليك فالعيد أن أسمع صوتك ولسانك العذب يبتهل بالدعاء، صباح العيد يا أمي سنلتقي دعاء وتهاني .. سنلتقي فرحا ... سنلتقي وقد صنعنا ذكريات لا تنسى .. سنلتقي ونحكي للصغار كيف تجاوزنا الخوف واحتفينا بالزائر السنوي عمقا وروحا وتقاسمنا الفرح به مع القريب والبعيد سنحتفي بالعيد يا أمي وقد أتممنا الصيام بروحانية عجيبة طال فيها الفراغ وزادت فيها العبادات

سنحتفي ونحن نتحلق حولك كما كنا صغارا تبهرنا الحكايا وتبهجنا الحلوى لا تحزني يا أمي وإن غاب البعض بالجسد فهو يقيم في القلب لا يغيب، العيد يا أمي أن يجمعنا قلبك الحنون كالوطن حين ضحى بالنفيس اليوم لنجتمع غدا ..
سنكون بخير يأمي سنكون بخير .. كل عام والأحبة بخير ..

كُنْ سُكّرًا



رابط الموضوع في صحيفة الرأي الإلكترونية..



في جنوب أفريقيا مثل يقول :
( لا تطلب من الملح أن يكون سكرًا )
بالتأكيد الأمر ليس موجها للملح بقدر ماهو تنبيه لك أنت ولها وله ولنا جميعا، أن لا نطلب بتغيير الطباع والسلوكيات في غمضة عين..!
فالمثل العربي عندنا يقول :
( الطبع يغلب التطبع )
قد يتبادر إلى أذهاننا أنه مهما حاول شخص ما أن يغير طباعه فلن يستطيع، فطبعه الأصل يغلب تطبعه المكتسب !
نعم ليس بالأمر الهين أن يغير الإنسان طباعه وسلوكه بالسرعة التي نتوقعها منه، ولكنه ليس مستحيلا ..
أنت إنسان طيب جدا ولطيف جدا ليس سهلا أن نجدك بين عشية وضحاها وقد أصبحت شخصا آخر سليطا وعنيفا..!!

هذا لا يعني أن لا إمكانية للتغير بل هو وارد جدا ولكن ليس سهلا، ولعل الصدمات أحيانا تكون سببا في تغيير الطباع، ونرى ذلك واضحا في سحب الثقة من الآخرين حين يُقْدم أحدهم على خداعك بعد ثقتك المطلقة به..
أيضا تلحظ ذلك في تربية الوالدين للطفل على التدليل المبالغ فيه وبمجرد خروجه للمجتمع المحيط كالمدرسة مثلا يواجه صعوبات جمّة في التأقلم مع الوضع الطبيعي، ويكون سلوكه مغايرا لما يجب أن يكون عليه كما هي الحال مع أقرانه، وهنا تبدأ معاناة الوالدين في محاولة تغيير الطباع فيصعب عليهم إقناعه بتغييرها مما قد يؤدي به أمراض نفسية مزمنة للازدواجية في واقعه..

لا تفرط في مسألة التعود أو التعويد على طبع معين يصعب عليك التخلص منه، فالعصبي يظل عصبيا والعاقل سيظل عاقلا مالم يأتيه ما يخرجه من فلك عقله ودائرة اتزانه.. وهذا يسمى تغيير تحت الضغط أو التغيير الإجباري وهو تغير بلا قناعة، كأن تضطر إلى مسايرة أحدهم بلا وعي ولا إدراك فقط للتخلص من الضغوط أو لعدم القدرة على المواجهة والتغير، هذا غالبا يكون مؤقتا لا تلبث أن تعود إلى طبعك الأساسي فالطبع يغلب التطبع ( للمستسلمين من الحمقى فقط ) بينما أصحاب الإرادة القوية والقابلين للتغير الإيجابي بإمكانهم إحداث التغيير للأجمل.
وقد يطرق عقلك عدة تساؤلات عن طباعك وطباع غيرك كأن تسأل نفسك كيف يمكن التعايش مع شخص عصبي 
أو أحمق أو حتى بخيل ؟
وهل يمكن للآخر أن يتقبلني لو كانت هذه طباعي ؟!
و هل يجب علينا الاستسلام لطباعنا السيئة؟
أفلا نجاهد أنفسنا لاستبدالها بالأجمل ؟
الآخر ليس ملزما بتقبلك وقبول طباعك السيئة فلا تغضب منه وفتش في نفسك لعلك تجد الخلل فتسده
وجاهد نفسك أيضا وبقوة لتبدو أمام الآخر بصورة جميلة!!

إذْن كُنّ سُكّراً
وهذا ما حث عليه ديننا الحنيف فحسن الخلق هو النبع المتدفق سلوكا حسنا وطباعا أنيقة .

جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان