14‏/10‏/2018

غياب فعودة!





غياب فعودة!

تحمله أقدامه إلى حيث لا يعلم يتخبط كأنما قد فقد عقله ..
يحمل نفسه يقودها في دروب الحياة ..
تتخطفه الملذات أحيانا ويغوص في بحر لجيّ من الألم أحايين كثيرة تائه إلا من دلالة ربانية تشرق في أقسى مواضع الألم فتضيء جنبات روحه بقبس من نور يأخذه إلى حيث مرافئ الأمان ..
بعد فقدانه لزوجته وابنته الصغيرة لم يعد كما كان ..
فأصبح يفتقد التوازن بعد أن كان يعيش السعادة المفرطة 
لم يخطر في باله لحظة أن يعود وحيدًا إلا من ألم ..
كسيرًا إلا من جرح غائر لا يندمل ..
لم يكن يتوقع وهو يمتطي صهوة مركبته مبتسما على ثرثرة غير مفهومة من ثغر صغيرته التي أبت إلا أن تجلس في حضنه تعبث بكل ما تقع عليه يديها الصغيرتين لم يتوقع وهو ينتظر زوجته الحنون أن تغلق الباب للمرة الأخيرة وكأنها تنهي مسيرة الحياة برفقته تجاذبا أطراف الحديث وخططا للمستقبل البعيد وطالت بهم المسافة في رحلة العودة إلى ديار الأهل والأصحاب وساد الصمت نامت الصغيرة بعد أن أخذتها والدتها في حضنها التي ألقت هي الأخرى برأسها إلى الخلف وتسللت إليها غفوة طرحت جفنيها رغما عنها ..
وبقي عبدالرحمن يقاوم النعاس تراة يلتفت على عائلته الصغيرة وتارة يشرب ماء من قارورة اتكأت بجانبه وتارات يحدق في الطريق الذي لا يبدو أنه سينتهي ..
لم يستيقظ عبدالرحمن إلا في اليوم التالي فوجد نفسه محاطا بجمع لا يعرفهم استغرق لحظات ليستوعب أين هو ثم نادى بصوت واهن ضعيف : لين ... لين ...وعاد ليغمض عينيه وكأنه يطرد بقايا أضغاث حلم..
يتكرر النداء هذه المرة لزوجته نورة.... نورة ....
يقترب منه أحد الأطباء يمسح على رأسه ويمسك يده بحنان ويبتسم له الحمدلله على سلامتك ... 
آآآه الآن علم أنه لم يكن حلما بل واقعا مريرا .. 
لم أكن أحلم !! أين عائلتي ؟
اهدأ .. هم بخير!
وتستمر أطول لحظات بشعة في حياته .. 
حتى أتاه اليقين : لقد رحلوا .....

لم يعد في ذاكرة عبدالرحمن لحظة أقسى من تلك اللحظة ..
لحظة قاسية تكاد تفتك بقلبه وتفتت كبده حزنا ولوعة ..
عاش حياته بعدهم وحيدا يحيط به كثيرون!
تعيسا يتحلق حوله السعداء!
كثيرا ما طالبوه بالضحك فيضحك بلا هوية ولا معنى!
لا شيء يلوح في أفق حياته كأنما الليل لا يعقبه نهار.. 
ولعبة لا زالت تقبع في زاوية من أريكة اعتادت زوجته أن تلاعب طفلتها عليها ..
يطيل النظر إليها وتخنقه عبرات يعلو بها صدره ويهبط فلا يدري إلى أين يذهب ؟ وإلى من يذهب ؟
(موجعة آلام الفقد) 
عبدالرحمن يدخل في نفق الكآبة طواعية اذ لا أحد .. 
شرود .. هذيان .. ووحدة قاتلة ..

وذات وقت سمع نداء يأتيه من بعيد كان  قد غفل عنه ..
نهض فجأة وشعر بأن همًّا كبيرًا لابد وأن يسقط 
ولن يسقطه بالضربة القاضية إلا أن يجيب النداء .. 
دخل المسجد وقد عزم على الابتهال إلى الله 
أن يهدي قلبه وينزع الحزن من أعماقه 
صلى كأن لم يصل من قبل تتابعت دموعه وبكى إلى أن خرج 
من الصلاة وهو يعاهد نفسه على أن لا عودة للحزن ومعي الله.

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة © 2012 أ.جـواهـر محمد الخثلان